في يوم مثل هذا، حين تخضرّ الأرض بالحب، ويتلألأ النور في القلب، تتداعى على العجوز الفاني، المتفاني في مستراح قيلولته أو تجليات أمسيته، وهو يعد على أصابعه، وينسى، يتذكر، ويسهى، ما رأى فيما يرى النائم من طيف أحد عشر كوكباً.. امرأة، تقاسمن، رعاف القلب، وتعب القلم، ودثرهن في ثنايا الذاكرة، يتمنى اليوم لو يقدر أن يقرع أبوابهن، حاملاً قُبلاً مخبأة، وزهر توليب أحمر أو أصفر، ليقول لهن: صباح الحب الذي كان.. ويكون!
- صغيرة كانت، وكنا، أيقظنا المطر فجأة، وعرفنا طرقاً أخرى يسلكها الماء، ويعرفها النخل، وعرفنا أن لشجرة الليمون ظلاً من بارد الوقت، لم يكن غير فرح الضحكات، ورقص القلوب الصغيرة المتوثبة، ومشاطرة الأشياء حين تشبه براءة العمر، وذلك العبق الندي لشيء من الياسمين والفل، الريحان المتكئ على جدار الطين، لشيء من زهر الرمان والتين، حين يرطب التين، تكاد وحدها من تحضر، حين يحضر المطر، يصبح القلب مبتلاً بها، ومختضلاً برائحتها، رائحة العشب، ودفء بيوت الطين!
- كبيرة كانت، لها خفة البدو، صغيراً كنت، مغادراً للتو سكن البراءة، متلمساً تضاريس جغرافية الجسد، كان لها إغواء، كان الثوب العربي، وخط البرقع، وروائح البخور، ودهن العود، وتلك اللهجة الخارجة من ذهب الرمل، حد البحر، منعطف الجبل، مسلك النخل، ظلت مثل بشارة آتية من الظهر، باسم ذاك الولد، ما زلت أتذكر حتى هذا النهار، أن لها غواية!
- هي فرحة الحديث، وبشارة الهاتف الجديد، كانت صوتاً يسرب لي كل شيء منها، عطرها، ساعة غضبها، وارتباكها، كسل نومها، لون سريرها، والأغاني الكثيرة التي تبعثها، وكأنها حديث متمم لحواراتنا، معها كان السهر، وكان التلكؤ في السفر، كانت لها حساباتها الخاطئة، وكنت فاشلاً في الحساب، كانت يمكن أن تكون أيقونة لعرس وثني، لكنها غابت بحساباتها الخاسرة، تاركة تلك اللحظة التي لا تغيب، وهي في آخر امتحاناتها!
- لا يمكن أن أتذكرها، ولا أتذكر لوحات المستشرقين في لحظات الوجد بدهشة الشرق، والهيام بتفاصيله، امرأة مُتحفيّة، ولا أزيد، كانت لها هبات، تجمعها وتصرها في كفها، ثم تلقيها عليك هكذا، كان لها طعم من ثمار الجنة، وكان لها رعاف القلب والقلم، كان لها الكثير الذي يمكن أن يخبئه قفص الصدر، كانت مشروعاً لم يكتمل نحو بناء بيت من سعف النخل والطين، فرقتنا فرنسا، ولم يجمعنا الحنين، لكنها ما زالت وشماً على الجبين!
- كان لها من حلو الرضاب ما يختصر المسافات، كانت تعشق المغامرات، وجدتها والمعبد خالٍ، خاوٍ على عروشه، كانت كغيمة شرود، كنغمة طروب، كانت مثل صبايا معابد الإغريق، وأود أن أزيد، كان يمكن أن تحسب مفاصل الظهر، ولا تعيد، وحدها اليوم من كان لها ذاك الحلو من عناقيد العنب، كان لها الشغف والعتب، وخُدر من تعب، كان لها كل الأجر، وكان عليّ الإثم وما يقترفون من ذنب! وغداً.. نكمل.