يستهويني الأسلوب الذي يتبعه بعض مصممي الإضاءة الخارجية للمنازل، عندما ينتقون زاوية دون أخرى أو واجهات محددة لتسليط الضوء عليها، لدرجة أن البيت العادي يمكن أن يتحول ليلاً إلى قصر أو قطعة فنية. هذه القدرة على توجيه الضوء ليست مهارة هندسية، بل فن في صناعة الانتباه. فالضوء الذي يكشف الأشياء يقرر في الأساس ما الذي سيبقى في الظل! وما يراه الناس في النهاية ليس الواقع كله، وإنما الجزء الذي اختار المصمم أن يمنحه الضوء. هذه اللعبة تشبه ما يصنعه مخرج المسرح، عندما لا يضيء الخشبة بأكملها، بل يختار بقعة بعينها لتستقر عليها أعين الجمهور، فلا ينتبهون لما يحدث في الظل الذي يتحول إلى ظلام يتحرك فيه آخرون لتغير ديكورات المكان!
وهي أيضاً التقنية نفسها التي يمارسها الرواة الذين ينقلون الخبر أو القصة والحكايا، يمنحون حدثاً أو شخصاً أو حتى لحظة معينة مساحة أكبر من غيرها، لأنهم يعتقدون أنها تستحق - لأسباب تخصهم - دون غيرها هذا الوضوح والتوقف، وما يترك دون أدنى انتباهة يبقى في العتمة، حتى يكاد يختفي مهما بلغت درجة أهميته، وكأنه لم يكن موجوداً أساساً! يحدث ذلك ليس لأنه تمت إزالة أو إلغاء شيء، فما تم هو إعادة ترتيب الأحداث، أو تحويل شخصية لم تكن ذات ثقل إلى بطل، وغيرها من التغيرات، ولكنها تنتج حقيقة جديدة مختلفة عن الواقع، وذلك كله دون اختلاق أو إلغاء شيء.. إنها سلطة من يملك قرار إعادة توزيع الضوء.
الحقيقة التي يخبرنا بها الواقع، أن الرؤية التي يملكها صانع المحتوى -صاحب الكشاف - في غاية الأهمية، ليس لأنه يصنع قيمة ومكانة فقط لما يسمح له بالبروز، وإنما، وهذا هو الأكثر إثارة، الظلام الذي يحدثه ليبقى الضوء بعيداً عن أشياء يجب أن تبقى في الخفاء حسب ما يريد. فكشاف المسرح، عندما يتجاهل منطقة الظل، فإنه قد يحيك في الظلام مشهداً كاملاً يقلب الطاولة كلها على ما ظهر وتفاعلنا معه تحت الضوء! وفي الحياة أيضاً، كثير مما يغيِّر العالم يحدث خارج بقعة الضوء.