سطر واحد لا يكفي. بل مقال واحد لا يكفي، لأن يسكت الشغف، وأنت تتسلق أهداب المطر وهي تحف الشارع، الذاهب، أو القادم من منطقة العين، لأن هذه العين، هي عين مطر، وعين غيمة تسدل خيوطها الفضية على تراب كأنه المشاعر المرهفة، وهي تراقب وعي السماء، بنزول المطر، في منطقة حباها الله برونق البراءة، ومهارة الشجرة التي وقفت تحرس المكان، تدلي بتصريح الفطرة، حول ما يحدث في المنطقة، الغناء، الزاهية بأحلام طيرها الواقف على غصن، يحرض المتابع لنبضة ما بين الجناحين، وصورة الظل على وريقة، هفهفت بريعان، وروعة الخلق.
تنظر أن العاشق لعين أعشابها، أهداب عين، ورموش تظلل فرحة الفراشات، وهي تحلّق، وتحدّق في المدى، لترى كيف تفوه الغيمة، بمعناها، وكيف تصفر جديلة المطر، على تراب كأنه الكتفين في نضارتهما، وكأنه الحواجب تطوق نهراً من رمل حباته تتمادى في الالتحام، لبلاغة في الفطرة، ونبوغ في الجبلة. 
تحت المطر علمت أن العين تبدو في هذا الحفل الكوني، مثل أغنية على لسان بدوي، انتهى من شرب قهوته، وتفرغ لتمثيل ترنيمة الطير، منسجماً في الفراغ، وعلى تلة رخية، وتحمد نعمة المطر، تحمد لون المقل مبللة بالقطرات، السخية.
 سمعت صوت طفلة على المقعد الخلفي، يتناغم مع دقات عرس المطر، بشجن حرض لديّ المسافة، ما بين والماضي، كان ذلك يجلس ويتلو قصيدة لشاعر مثل ابن ظاهر، فأمعنت السمع والبصر، فأيقنت بأن طفولة ما استدعت فطرتها، وراحت تدلي بدلو الكلمات ملحنة على سمت الترانيم الصحراوية العتيدة.
سكنت مهجتي وأنا أتابع المشهد الطفولي منسجماً بما جادت به القريحة، وشعرت بأن العين في تلك الملحمة، تباشر فصولها الجمالية، وتسكب على العيون مناظر، كأنها السحر، ينهمر من فيض ما ورائي، والعالم مثل الطيور، تبلل أجنحتهم القطرات، فيمضون في بث اللواعج في لحظة تجل، لحظة انسكاب المشاعر مثل المطر، والغيمة منطقة العين، الغيمة ذاكرة، تجلت في الزمان مثل سلسال يطوق، أحلام الصيف، بالبلل، ويطرق أبواب المدى، برنات، عزف وجودي ملهمة، لعاشق ترك وراءه جبال من الذكريات، وراح يفتل خيوطها مثل سجادة الحرير. 
في الطريق من العين إلى أبوظبي كما هي خفقة الجفنين، كما هي رفة الرمشين، لا تشعر بالزمان، حيث الزمان يسترخي على لوحة تشكيلية، ملونة، بالأخضر، مستتبة على مهد التاريخ، وما بنته الأيدي الكريمة، من حضارة أيقنت الشجرة أنها فعلاً ترتاح على بسيطة رخية، ثرية بمعاني الحب، غنية، بأحلام الطير وهو يصفق، مصرحاً، بلغة الصحراء، شكراً للذي بنى، شكراً لعشاق الجمال.