نكتب لكي لا تصمت الكلمات على ثغورنا، نكتب لكي يجفّ رضاب الابتسامات على وجوهنا، نكتب لكي لا تموت الوردة عند مُقلنا، نكتب لكي لا تترك الفراشات موائلها، ولا تنسى عطر الوردة، نكتب لكي لا تكتئب الغيمة عندما تشرق الشمس، ولا تسمع أغنيات العشاق، نكتب لكي لا تمر الريح من قربنا، ولا تلمس رموش من أحببنا، نكتب لكل لا تأتي الموجة عند السواحل لا ترى ظلنا، نكتب لكي لا تحترق أكباد النجوم ونحن في سُباتنا، نكتب لكي لا تصبح الحياة سمكة عملاقة بلا زعانف، نكتب لكي لا ينشد الطير ولا يسمعه إلا هو، نكتب لكي لا تخيط النخلة معطفها من أهداب بلا ألوان زاهية.
 نكتب لكي لا يمر الزمن ونحن وقوف نسترجع ذاكرة مثقوبة، نكتب لكي لا نفقد السمع والبصر والعالم يُثري المعاني بأجمل الكلمات، نكتب لكي لا نشعر بأن الوجود مجرد خرقة لوّثها الخنق بأنفاس الكارهين، نكتب لكي لا تستمر الحياة من دون جدوى ولا معنى، نكتب لكي لا يخالج المعجم أننا نسينا وعاء الهوية، ونكتب لكي لا يظن العتاة، الطغاة، بأننا أغلقنا كتاب المعرفة، وانصرفنا نبحث عن ذواتنا خارج الكلمات الممنوعة من الصرف، نكتب لكي لا يظن العشاق أننا رمينا أغنياتهم في سلال المهملات، وعكفنا على سرد حكاية النوم مع الأحلام، نكتب لكي نمضي في الحياة سماء نجومها كلمات لها دلالة الوجد والجد والجديد والوجود، نكتب لكي لا تتبرأ منا كلمات الإسكندر المقدوني (جئتُ للدنيا هكذا - وهو يفرد يديه - وسوف أذهب لها هكذا - فارداً ذراعيه أيضاً). 
نكتب لكي لا تتوقف ساعة الزمن عن الرنين، نكتب لكي لا تمور الجبال من فحشاء كسل القصيدة في ضمير العشاق، نكتب لكي لا تنطفئ جذوة الأمل في عيون الجياد الفارات من قسورة، نكتب لكي لا تنضب رمال الخصوبة في أرحام الكائنات، نكتب لكي لا تصير الكلمات مجرد خيول هاربة من مرابضها، نكتب لكي لا تسهر النجوم على آمال وهمية، فلا يبرز القمر، نكتب لكي لا توهن الشمس، ويطغى الظلام، والحياة تطفئ شموعها، نكتب لكي لا تحتسي الغيمة من ماء البحر، ولا تمطر، نكتب لكي لا تسكب الموجة بياضها بعيداً عن عيوننا، نكتب لكي لا تبحر المراكب، والبحر تخضّبه اليابسة بالسراب، نكتب لكي لا يحتسي الملح عذوبة الأنهار، نكتب لكي لا تغضب حبة رمل من الجبال الشاهقات، نكتب لكي لا يتراجع حلم الطير عن أبجدية النهار.. وينام.
 نكتب لكي لا تنوء كواهل التلال اليافعة من حمل بيضة طائر بحجم كف أرملة، نكتب لكي لا تعزف النحلة عن ميلاد أول شمعة، نكتب لكي لا تُعرِض الأمهات عن مدّ الحياة بابتسامة صباحية قبل ذهاب الصغار إلى منبر الكلمات، نكتب لكي لا يسكت النخيل عن بث النغمات وقت الأصيل. نكتب فقط، لأننا نحب الحياة.