أقدّم ساعات تطوعية في إحدى المدارس للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة. ألتقي بهم في مجموعات متفرقة، وأقرأ لهم قصصاً ومعلومات، وأُثير معهم بعض المفاهيم التي ألاحظ أنهم يستخدمونها من دون معرفة دقيقة أو حتى عامة بمعانيها، وغالباً ما أفعل ذلك خلال حواراتي العفوية معهم. في إحدى الجلسات، كنا نتحدث عن العلاقة بين الإخوة، حين قالت طفلة: «أختي بخيلة»! أوقفتُ الحديث، والتفتّ إليها وسألتها: كيف عرفتِ أنها بخيلة؟ أجابت بأنها طلبت منها حلوى، لكنها رفضت أن تعطيها، بل وأكلتها أمامها بنهمٍ.. ضحكتُ وضحك باقي الصغار. ثم سألتها: ومن أين حصلت أختكِ على الحلوى؟ أجابت: «بأن أمي أعطتنا». فسألتها: وأين الحلوى الخاصة بكِ؟ قالت: «أكلتها». توجهتُ بعدها إلى الجميع وسألتهم: في رأيكم، أيهما أسوأ في الطباع، الطماع أم البخيل؟ بدا أن معظم الأطفال يرون أن البخيل هو الأسوأ، إلى أن تجرأت طفلة وسألت: «ماذا يعني طمّاع؟». عندها فتحنا باباً للنقاش حول معاني الكلمات والصفات التي نستخدمها في وصف الآخرين، ومدى فهمنا الحقيقي لها. لا يُعدّ هذا الالتباس أمراً مستغرباً لدى الأطفال في هذه المرحلة العمرية، لكن عندما طرحتُ السؤال ذاته على الكبار: أيهما الأسوأ في الطباع، البخيل أم الطماع؟ كانت إجاباتهم مرتبكة! في رأيي، يرتبط إدراك الفرق بين الصفتين بفهم دوافعهما وتبعات الفعل، سواء كان بخلاً أو طمعاً. فالطماع يرغب في الحصول على ما لدى الآخرين من دون حقٍّ مشروعٍ من منطلق الجشع والأنانية، أما البخيل، فيتمسك بما لديه ويرفض منحه للآخرين، منطلقاً من خوفه من فقدان ما لديه. وللمفاضلة بين السلوكين، علينا أن نعرف مستوى الأذى المتوقع على حقوق الآخرين في كلٍّ منهما! يتمسك البخيل بما يملك، فيمنع العطاء ويضنّ على من حوله، أما الطماع فيأخذ ما ليس من حقه ويضرّ من حوله. في هذه المفارقة، تحكم البخيلَ الرغبةُ في الاحتفاظ، والطماعَ تحكمه الرغبةُ في الاستحواذ، فأغلب الشرور مكمنها الطمع؛ ذاك يسرق لأنه يريد ما في يد غيره، وهذا يحسد لأنه يستكثر ما لدى الآخر ويتمنّاه لنفسه، وآخر يدمر ممتلكات الآخرين لأنه يعتقد أنه الأولى بها! يا تُرى، كم مرة أطلقنا على أحدهم صفة بخيل، بينما ما نريده منه في الحقيقة هو أن يتنازل لنا عما نراه حقاً لنا! أعتقد أن المفارقة الكبرى عندما نرى «البخل» في الآخرين حين يحرموننا مما نريد، ولا نرى في أنفسنا «الطمع» حين نريد ما ليس لنا.