في خضم التغيرات المزلزلة في حياتنا، وفي مجمل وجهاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأعظم من كل ذلك التغيرات التكنولوجية، وهي العصا السحرية التي قلبت موازين الفكر والثقافة، وأحاطت العالم بمخرجات إنسانية، فيما لو صحا مَن غاب عن عالمنا منذ ثلاثين عاماً فقط لا غير فسوف يسقط مغشياً عليه، ويصاب بصعقة كهربية تشل العقل والروح، لأن العالم قلب الوجه واللسان، وصارت الحياة تمشي على الأجنحة، وتطير بأقدام، وتمضي باليدين، ولا غرابة بأن يحدث هذا في القريب العاجل، لا المؤجل، واليوم عندما نسمع عن قول يثير الفزع، عن مصطلح (زمن الرواية)، وكأن الرواية شيء من صرعة سلوكية، أو موضة تمثّل معطفاً يرتديه المرء على خلاف ما كان الإنسان يرتديه قبل ثلاثين سنة مثلاً. هذه في حد ذاتها صرعة، عندما نُلبس الرواية معطفاً غير معطفها، ونتهمها بأنها شيء كسائر الأشياء يمكن أن تغير مضمونها أو محتواها الوجودي، هذه صرعة العقل عندما يخرج عن العقل، ويبدأ في التخلص من بديهيته، ومن فطرته، وسيرته، وصيرورته، وكينونته، هذه بدعة العقل عندما لا يتحلى بأخلاق العفوية، ويمضي في الزمان مثل فراشة تائهة تبحث عن العطر في ثنيات ورقة حنظل، وتبكي ردحاً من الزمن، وتنعى الحياة كونها جفّت مآقيها.
الرواية ليست خدعة بصرية، يختلسها الإنسان من بين طيات أفكار تتغير مع تغير الزمن، بل الرواية هي في جذر الشجرة، الرواية في أعماق البحر، في سر النهر، الرواية خلقت مع خلق الإنسان لأنها الكتاب المفتوح على المدى، يحكي قصة العقل الباطن وما تلاه، وما قبله، الرواية ليست حلماً ذات ليلة ليلاء، بل هي كائن حي يعيش مع المرء منذ الولادة وحتى ترتفع راية الاستسلام لنهاية قد تكون سعيدة، وقد لا تكون، ولكنها في المجُمل نهاية لاكتشاف جديد لعالم فيه البياض والسواد سيان، لأنه لا وجود للمتناقضات كما يفهم البعض، فالرواية تأتي ليس لمجرد سرديات آنية مرتبطة بحياة مؤقتة، بل هي استدامة كونية يعبّر عنها العقل الباطن في الحل والترحال، وكل ثانية تمر والإنسان في سردية روائية مستدامة، ولا مجال للصمت، لا مجال لخفض درجة الحرارة في ذلك المكون العقلي الباطني، لأنه هو ما يمثّل الحقيقة، وهو ما يمتلك تاريخ التحولات، ولا يتحول، هو ما يسقط الأوراق من الشجرة إن أراد ولا يسقط، وهو ما يستولي على السلوك برمته، ولا يخضع لقوة إلا قوته ونفوذه وسيادته، هو العقل الباطن، ولذلك لا مجال لتحديد الزمن للرواية، ولا مجال لتقطيع الأوراق، لتصبح مفارز أزمنة، فالرواية كل لا يتجزأ، وكل منا في داخله روايته التي تلاحقه حتى أمد الحياة، وأما فكرة الثقافة الروائية فهي ليست إلا خدعة بصرية تهاجمنا عندما نريد أن نحول الرواية إلى زمنية، بينما هي تعيش خارج الزمن، بعيداً عن سطح الماء، بعيداً عن سطح العقل، بعيداً عن جمهورية الأفكار الجاهزة لأن الرواية بنت الخرافة، والخرافة وليدة الفلسفة، والفلسفة ليست حقيقة موضوعية، بل هي طريقة تفكير، فالإنسان أعظم مفكر، كما أنه أكبر كذاب، ولهذا عندما أراد أن يتحايل على الواقع وضع قوانينه هو، وليس قانون الرواية، فأوقعها في مغبة واقعه هو المبني على التخفي خلف المصطلحات والمفاهيم المشبوهة المسخّرة للاستخدام الذاتي.


