بين زمنين؛ نخبة وشباب، يظل نبض الحياة ينوء تحت وطأة دقات زمن بعيد. فروح الشباب تتجلى في زهاء اللقاءات؛ إذ تجدهم بين أفنية البيوت وعتبات الدكاكين الصغيرة، يستبقون المساءات، بينما تنأى إلى مسامع الجيران ضحكاتهم الممتزجة بحفيف خطواتهم، ومنها تتجلى تفاصيل الحياة اليومية، وهم يغادرون الحارات والأحياء صوب ضفاف البحر، لتحفهم نسماته الباردة. وطيش الأمواج الساحرة وهي ترشهم برذاذها. وبعضهم يندرجون في الأندية الرياضية من أجل لعب الكرة بزي النادي، لتتعمّق لديهم فكرة الانحياز لنادٍ دون آخر.
وحين تبدو الامتحانات على الأبواب، تصبح الحدائق مجالس للمذاكرة بين المروج الخضراء، فكل ما في الحياة يتجسّد، ويبقى الحنين كامناً في الذاكرة، حيث تعشش أغاني الطرب وشدو الأصوات وبريق كلمات الماضي.
انحسرت أماكنهم وبدأت مراكز التسوق الحديثة تغمرهم فرحاً، يفدون إليها، ولكل مجمع تجاري وجوه بارزة في زوايا المقاهي و(الكافيهات)، يتسللون إليها صباحاً ومساءً. بعد أن شغلتهم الحياة طويلاً بين المكاتب، حان الوقت أن ينقضّوا على إسعاد أنفسهم ولو بقليل من ذكريات مشبعة بالحياة، تراودهم في ملاذهم المشرئب بين الحوارات الرياضية وشيء من المعرفة الاقتصادية. هم رهن لكل جديد وقديم، يدأبون في الحديث حسب اطلاعهم وثقافتهم وحنينهم إلى البدايات والمغامرات الشبابية.
أصدقاء مراكز التسوق يتفاوتون في الأعمار والثقافات المجتمعية، وحسب سماتهم يجتمعون ويمررون أفكارهم بينهم، وكأنهم يستثمرون الوقت بالمعارف والمعرفة والخبرة والمهارة، يقتنصون الفرص إنْ وُجدت في زمن آخر.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، يرى الكبار حياتهم في شباب اليوم، وتوهجهم المكتظ في نضارتهم وعجلتهم، حيث أرواحهم تموج مثل فراشات تحطّ على أغصان الورود، يسكبون فرحهم بين زوايا المحلات، ويرحلون سريعاً نحو أعمالهم اليومية.
بينهم رواج المُبصرين وغداة الحالمين، هيئاتٌ تلتقي بها المسافات الزمنية، بل تحلّق بهم في سحرها هُنَيْهَاتٌ من الوقت تثلج صدورهم وتطهرهم، وتَعبر خواطرَهم أجيالٌ تتسابق نحو النخبوية ويُفتنون بالتميز، كلٌّ منهم يعبر عالمه الحقيقي الذي يجد فيه نفسه. تجرّهم مراكز التسوق بعيداً عن عالم المدن الصاخب وذروته.
نخبويون عجنتهم الحياة، ففاضت بهم على مقاهٍ يرتشفون ساخنها وباردها، ويلتذون بطعم ما تقدمه مطاعم آتية من كل صوب في العالم، بعد أن وجدوا فيها شغفهم الذي يختزلونه كلما طالت المسافات. فهم يستحقون أن تأتي إليهم الحياة بسحرها لينعموا بها، ويطلّوا من نوافذ إطلالاتها تسكنهم وحدهم، مقتربين من لذة الحلم بين صيحات الجمال والفرح والتجدد.


