يجدر بنا أن نأخذ بعين الاعتبار، أن الإنسان قد يكون من أصول الطير، واستبدل الجناحين بالذراعين وراح يلوح بقوة الحلم الذي يسكن عقله وينبري كما هي كتل الغبار التي تتراكم وتراكمت حتى أصبحت كتلاً صخرية، صلدة لا يمكن فك نسيجها إلا بالكسر، وهذه هي طبيعة الأشياء الصلبة، أنها قاسية، ولكنها ضعيفة، ولذلك اعتبر الماء أقوى من الصخر، فلو حاولت أن تجري تجربة، لتثق بما تسمعه وما تقرأه، ووضعت حجراً في الماء لمدة أسابيع، وعدت وبحثت عن قطعة الحجر التي ودعتها في رعاية الماء، فسوف تجد الحجر قد فقد جزءاً كبيراً من حجمه، لأن الماء سطا عليه وقضم من حجمه ولو تركته أكثر فسوف يتلاشى ثم ينتهي إلى لا شيء، وهذا دليل على أن السيولة أقوى من الصلابة.
 اليوم عندما نتتبع ما يحدث في عالمنا، سوف نجد الصلابة في صراع مرير مع المرونة، ونجد أن الكثير من الصلابات قد أصبحت عدماً، وفي السياسة كما هو في جوانب الحياة، كم من السياسات أخذت أصحابها إلى جحيم اللاشيء، غاب هؤلاء عن الوجود، لأنهم مارسوا الصلابة، مثل قفل محكم لا يفسح عن الحقائق كي تعبر عن نفسها، ومن ثم ينطلق أصحاب السياسة ذات الأبعاد الأيديولوجية البعيدة عن الواقع، القريبة من الخيال، المنحدر من سفوح جرت عليها وديان العصبية الجاهلية، واكتسحت ما في باطن الطين من ثمرات لأزهار كانت قد تبزغ فيما لو تركت في مكانها، ولكن نقول الغضب ونقول العصبية ونقول الانتهازية وعدم المبالاة لما سيحدث بعد العصبية، وما قد ستؤول إليه الحياة بعد التزمت وبعد التعنت وبعد الانهيار القيمي في داخل كل فكرة مشوهة، كل فكرة نمت في عقل شخص، وترعرعت وكبرت حتى أصبحت دملاّ يسيل منه الصديد ويملأ المكان والزمان، برائحة تشبه رائحة الجيف، وما نفق من كائنات مغضوب عليها، مشؤومة مكلومة.
اليوم الإنسانية تمر بأزمة عقل ومأزق حياة وقعت في محاذير لم يحذر منها الإنسان، ولم يتجنب عواقبها ولم ينأى بنفسه عن مخاطرها ولو اقتنع الإنسان المبتلى بالصلابة الفكرية، بأنه جزء من كل، وإذا ما فكر خدش الكل بمخلب العدوانية، فلابد وأن يدمى جسده، ّشاء أم أبى، فنحن خلقنا لنكون شجرة لها أفرعها، وخلقنا لنكون تحت سقف خيمة واحدة، العاقل والذكي الذي يعرف كيف يحمي نفسه من حرقة الشمس اللاهبة عندما يعري نفسه من معطف الكل ويدخل عاريا إلا من فكرة، أنانية، فكرة تأخذه إلى حيث تكمن العصبية الجاهلية، ومنها يعبر عبر مضيق ضيق، إلى جحيم العدمية، فلا أحد ولا مجتمع، مهما بلغ من القوة، يستطيع أن يعيش خارج الزمن ويسكن في كهف عزلته المريعة، لا أحد يمكنه أن يتحدى قدرة الله في خلقه.
والله عندما خاطبنا لم ينزل على كل فرد رسول ليرشده، ويهديه، بل أنزل الرسل، لأن الرسالة واحدة، والإنسان واحد ولا يجب المكابرة، ولا يجب المخاطرة ولا يجب المهاترة ولا يجب مغادرة العقل مكان الحقيقة والسكن عند حافة المغامرات المهلكة، عند منطقة يظن العصبي الجاهلي أنه امتلك الحقيقة والحقيقة منه براء، الحقيقة ليست غباراً وإنما هي مطر عندما تسقطه الغيمة يكون في الوجود، رحمة للعالمين، ولا أذكر في التاريخ بأن غيمة ساعدت فرداً منعزلاً على الحياة، بتخصيصه بنثة تخصه كي يكبر ويتوسع في أفكاره وطموحاته، هذا لم يحدث ولن يحدث إلا في خيال المرضى، وفي عقل المهووسين، والمصابين بجنون العظمة، والذين نسوا أن القوة إذا لم تكن مقسومة إلى نصفين متساوين، نصف لي ونصف لك، فلن تستفيد منها إلا النار التي تحرق المكابر والمغامر.