فاطمة عطفة (أبوظبي)
العيد المبارك مناسبة سعيدة للجميع، صغاراً وكباراً. وفي هذا الاستطلاع، نتوجه إلى الشعراء والمثقفين الذين يحتفظون بذكريات طفولتهم لنعرف كيف كان احتفالهم بهذه الأيام المباركة، يقول الشاعر أحمد بالحمر: ثوب جديد يحمل بياض يوم العيد ونقاء إشراقه، وبعض الدراهم المعدودة التي ترقص في جيوبنا فرحاً وغناء، ننتظرها بكل شوق من الأهل والأقرباء وجميع الزوار. إنها العيدية ومن لا يعرفها؟ نجمع الدرهم فوق أخيه من ساعة العيد الأولى لغاية ثالث أيامه حين نجمع الحصيلة، ونعلن بكل فخر لأصدقائنا رصيدنا من ذلك اليوم الذي يعلوه التكبير.
ويستعيد الشاعر ذكريات الماضي، مبيناً أن السنين الطوال تمر على عجل من دون أي استئذان منا أو تدخل، ويتحول حاله من متلقٍّ إلى مرسل، حيث يصبح الأطفال في ذلك اليوم ذاته موزعين لتلك العيديات يشترون بها ما يرغبون، ويرون فرحة العيد وهم يجرون ويضحكون دون أي تفكير في الغد، وهو الذي بات يشغل تفكيرنا الآن. ويختم أحمد بالحمر قائلاً: يعود العيد وتعود معه ذكرياتنا الصغيرة التي نراها في أبنائنا وفي كل الصغار، حيث تعلو أصواتهم في البيوت والأحياء. لقد تغير كل شيء من حولنا، ولكن الباقي هو فرحة وبراءة أطفالنا التي تعطي للعيد طعمه وقيمته.
بدوره، يستحضر الشاعر خالد الظنحاني، رئيس جمعية الفجيرة الاجتماعية الثقافية، ذكرياته قائلاً: «من عبق الطقوس الدينية والاجتماعية للعيد في «جارة الجبل» دبا الفجيرة، مسقط رأسي، نحتت الذكريات العذبة لطفولتي ومراهقتي ملامح مميزة للعيد بالنسبة لي، فللعيد رائحة ولون وطعم ووقع وملمس خاص، ما زلت أحتفظ به بين ثنايا الذاكرة والوجدان». ويشير الشاعر الظنحاني إلى الفرق بين الأمس واليوم، فقد تغيرت العادات واختلفت الأحياء، نتذكر أيام الانطلاق في العيد إلى أبواب الجيران والفقراء والمساكين، لتوزيع لحوم أضحية العيد عليهم، كما أنها أيضاً فرصة لأخذ العيدية من الأقارب وبعض الجيران. ومن ذكرياته الجميلة، أن قيمة العيدية آنذاك كانت درهمين، لكن عجوزاً انطبعت في مخيّلته كانت تكرم الأطفال فتعطيهم ثلاثة دراهم، وكانت تحرص في العيد على ارتداء أجمل ما عندها، وتحضير الدراهم للأطفال الذين يطرقون بابها طامعين بالعيدية والحلويات. وقال: كنّا نعرف الجيران ونعيش في أحياء متقاربة فلا يقلق الأهل علينا حين نخرج صباح العيد ونطرق الأبواب لننال عيديتنا. كما أن زيارة الجد والجدّة من أساسيات العيد، ومن العادات اجتماع كل العوائل عند كبار السنّ، وطبعاً للأطفال حصّتهم في العيدية المميزة. وقد ترعرعت في مدينة دبا، وهذا أتاح لي في سن الطفولة أن أجمع بين هوايتين في العيد، الأولى هي الذهاب إلى البحر، والتفرّج على الصيادين، والثانية التوجّه مع الأصحاب إلى الكهوف حيث كانت قفائر النحل، يوم العيد.. ويكون المجال أمامنا مفتوحاً للعب، فننطلق إلى الكهوف ونضرب قفائر النحل لنبعدها عنه ونلتهم العسل. ومن عاداتنا أيضاً، التخييم في الأماكن الجميلة التي تزخر بها منطقة دبا، حيث كنا تناول الطعام مع العائلة في الطبيعة، ونشرب الشاي ونأكل الأطايب. وكانت الخيم بسيطة جداً في ذلك الزمن.
خرخشة الربابي
وقال الفنان المسرحي سعيد الزعابي: كنت في المجلس أُشاهد الأطفال وهم يستلمون العيدية، فلم أسمع طفلاً يصدر منه صوت «خرخشة الربابي»، فكلهم يتسلمون عيدية من نوع النوط بدءاً من الخمسة دراهم إلى النوط الحمرا «المئة درهم»، ويتم توزيع العيدية حسب العمر وصلة القرابة.
ويسرح الزعابي مع الذكريات ويسترجع مشاهد منها قائلاً: كانت خدود الأطفال تبو أحياناً محمرّة من ضربة الشمس مع ابتسامة وهم يمشون في الفريج بحثاً عن العيدية، وقلما كنا نشاهد العاملات المنزليات مع الأطفال، للاستفادة من عامل الخفة والسرعة، فيجتمع أطفال الفريج وتبدأ رحلة البحث في هذا اليوم المنتظر. تكون المحفظة قديماً عادة منتفخة من كثر الدراهم المعدنية «الربابي»، فكانت كالحجر في صلابتها، وهي من النوع السحابي، فلا يستطيع الطفل قفل السحَاب من كثرة الربابي فيستخدم القوة للسحب فيشد ويضغط، وقد يجد زر السحاب مقطوعاً في يده، فيتعامل بأسنانه لإكمال المهمة وسحب السَحاب، ومن المؤكد أن ينقطع فتبدأ المرحلة الثانية، وهي تخزين الدراهم في جيوب الكندورة، فتجد أن حركته بدأت تثقل والجيوب ممتلئة وارتفع صوت «الخرخشة» وبالتالي تضيق الكندورة ويتصبب عرقاً، فيبحث عن ثلاجة الماء ليشرب.
ويتابع فيرى أن الطفل يكمل مسيره، وهو يفكر في حل ليضع النقود في مكان سري حتى يكمل رحلة البحث، ويفرغ الجيب والمحفظة لاستقبال الجديد من الربابي. وهنالك متسع من الوقت، فالساعة ما زالت في العاشرة صباحاً. يستظل تحت شجرة ويبدأ بالتفكير: إذا أعطى النقود للأم سيختلط الحابل بالنابل مع نقود إخوته ولن يعرف نقوده، وإن خبأها بمكان في المنزل، يخرج من البيت وهو قلق فقد يرجع ولا يجدها. وأخيراً يجد حلين: الأول أن يذهب للرملة ويدفن المال، ثم يرجع ويأخذه، وهذا حل غير مضمون لأنه قد يراقبه أحد ويشاهد المنظر، فيرجع للمكان ويأخذ النقود. والحل الثاني هو أن يذهب للجدة، فهي أمان البيت فيضع عندها الأمانة ويكمل مسيره، فيرسو رأيه على الحل الثاني ويعطي الأمانة للجدة، ويُكمل من جديد الجولة الثانية بخفة وروح متجددة.
«عيدية عمي»
يقول الفنان سعيد الزعابي: من الطرائف ذات مرة، أن الأطفال واجهوا رجلاً، فقالوا له: «عيدك مبارك»، فوضع الرجل يده في جيبه وأخذ يبحث ويقلب جيبه، فابتسموا وظنوا أن الفلوس كثيرة ولم تخرج بسهولة لأن المبلغ كبير، لكن الرجل أخرج من جيبه درهماً، وكنا أربعة أشخاص، فقال: «إجاسموها، كل واحد منكم يأخذ ربع!» ثم ضحك وانصرف. والنتيجة أن ثلاثة من الأطفال استغنوا عن نصيبهم للطفل الذي تسلم الدرهم، فمن أين سيجدون خردة أرباع؟ وبعد عيدية الربع أدرك الأطفال أن العيد انتهى وآن الأوان للرجوع إلى البيوت، ليبدأ كل واحد بعد «الربابي»، ثلاثة أيام في العيد وهو يعد، مرة في الصباح ومرة في المساء. وبعد هذا التعب لا تكاد العيدية تتعدى المئة وخمسين درهماً أو المئتين.
وينهي الفنان الزعابي القصة قائلاً: ذات مرة سمعت صوت طفل «عيدية عمي»، فأفقت من السرحان وأعطيته عيدية من النوط، ووجدت محفظته مستقيمة لا يوجد بها أي نوع من الانتفاخ، فالنوط كله من النوع الجديد ويضعها بشكل مستقيم، فقلت: سبحان الله مغير الأحوال، كلما خف وزن المحفظة (النوط)، فذلك دليل على كثرة المال وكلما ثقلت المحفظة «الربابي» دليل على قلة المال. اللهم أدم علينا نعمك، الحمد لله حمداً كثيراً على نعمه التي لا تعد ولا تُحصى، وكل عام وأنتم بخير، وعيدكم مبارك.