الخميس 11 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

العمر مراحل

العمر مراحل
2 نوفمبر 2020 01:05

في مرحلة ما من مراحل العمر، تشعر بأنك في حاجة إلى الهدوء أكثر من الصخب، وإلى السكينة أكثر من الضجيج، وإلى اقتناص الوقت أكثر من تبديده دون طائل وفي أوقات أو مع آخرين لا يستحقون أن تهدر وقتك معهم، تصير في حاجة إلى الاكتفاء بذاتك، ليس انعزالاً عن المحيطين بك، ولكن رغبة في قراءتهم، والتقرّب عميقاً منك، وبرؤية أشد دقة أثناء بعد طول جفاء، أو سوء فهم بينك وبينك.
ومع الوقت تنتابك هواجس وظنون، تتراءى لك نجاحاتك وإخفاقاتك، أين كنتَ، ما حققت لذاتك، لأعماقك وأنت تمارس غواية الانغماس في العمل حد التماهي معه، والابتعاد عن روحك، عن صخبك الداخلي الذي لم تشعر به، ولم تتنبّه إلى أهميته إلا مع تحوّل المراحل العمرية، فكلما تقدمنا في العمر يوماً سقطت ورقة لتنمو أخرى أكثر اخضراراً وبهاء، تكون نضِرةً ذاهبة نحو فياض في الحب، والالتفات إلى الداخل، إلى النفس بكل تجلياتها، وعمقك الداخلي الذي لا يجيد قراءته سواك.
وأنت تتقدم نحو الأيام قاطعاً بعضها، متصلاً ببعضها القادم تبدو كمن يبحث عن شاطئ أمان يرسو عنده بعد أن انطفأت في داخلك أضواء كانت تُفسح لك الرؤية إن عتُمت اللحظة، تأتيك مختالةً في زهو الوقت تقرأ عليك الحب، تعلّمك فن الاستماع إليك، أنت في حاجة إلى إعادة تشكيلك من جديد، عليك أن تذهب نحوك، فقد ضاعت منك البوصلة، وصرت تمنح الحب، والأمان، والوفاء، والإخلاص، كل القيم النبيلة حملتها في روحك، وأسبغتها على الآخرين/‏ عداك!
الآخرون الذي تبحث بعد أن كلّت مشاعرك تعلقاً بهم عن طوق نجاة يسافر بك بعيداً عنهم باتجاه مناطق تخصك وحدك، تلك المناطق التي غفلتَ عنها خلال مراحل عمرك المُنشغل بكل شيءٍ إلاّك، منحتَ كما للعطاء أن يتجلى حباً وامتناناً وتشبثاً، كانت أطرافه مع الأيام تتناسل، وتجتهد في ضخّك بالشقاء والتعب، ولها تبتسمُ لأنك تؤمن بقيمة الآخر كما هي قيمتك التي تكتشف للحظة بأنها لم تكُن مساوية لما في روحك من صدقٍ وشفافية ووضوح.
عندما تكبر تتبلور قناعاتك، واهتماماتك وربما تتغير وبشكل مختلفٍ ومدهش، حتى مشاعرك تبدو أكثر عقلانية، ووعياً، ونزوعاً للانعزال عمّا يجلب لها الألم، تبدو أكثر ثباتاً وحدّة بصيرة وإن ضعُف البصر، لكنها الأيام، والحياة، والطبيعة البشرية التي تذهب بك نحو ما تراه مناسباً لك في مرحلة ما من سني العمر التي قضيتها ركضاً إمّا عملاً، وإما نزفاً لمشاعر كمْ أنهكتها ركضاً وراء سراب.

* شيخة محمد الجابري
Qasaed21@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©