الدبلوماسية المناخية.. جهود عالمية لكبح الاحترار (2-2)
طه حسيب (أبوظبي)
العلاقة بين السلام والتغير المناخي واضحة، فكلما تحقق السلام ازدادت وتيرة التعاون الدولي لتصبح الجهود العالمية في مواجهة تداعيات التغير المناخي أكثر قوة وفعالية، فأجواء السلام تتيح الفرصة للاستثمار في التنمية وتفعيل ابتكارات تقنية تخدم البشرية ضمن ما يعرف بتكنولوجيا المناخ، ما يعني علاقة طردية بين السلام والعمل المناخي. وفي أجواء النزاعات والحروب والاستقطابات السياسية الحادة يضعف العمل المناخي، وتطفو على السطح تحديات أخرى كجهود الإغاثة والتعافي وحماية المدنيين وغوث اللاجئين وتأمين سلاسل التوريد وتفعيل الحمائية التجارية.

إريك سولهايم المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بين مايو 2016 ونوفمبر 2018، والخبير في مفاوضات السلام، وأحد الوسطاء الرئيسيين في عملية السلام بسريلانكا خلال الفترة من 1998 إلى 2005، أكد في تصريح خاص لـ«الاتحاد»، أن هناك علاقة وطيدة بين تغيّر المناخ والسلام. فالنزوح والفقر الناجمين عن تغيّر المناخ، قد يزيدان من احتمالية نشوب الصراعات، ويُسهّلان تجنيد الأفراد للانخراط في الحروب التي يبدؤها «روّاد الحروب»، سواء كانوا قادة سياسيين، أو جنرالات، أو أمراء حرب، أو قادة جماعات متمردة.
ويوضح سولهايم، أن موجات الجفاف والفيضانات والطقس المتطرف وارتفاع مستوى سطح البحر، تجبر ملايين الناس على ترك منازلهم، مما يؤدي إلى إمكانية نشوب صراعات مع السكان في مناطق الاستقرار الجديدة. كما قد يجعل تغيّر المناخ عمليات التجنيد في الجيوش أو الجماعات الإرهابية أسهل، إذ يكون الأفراد أكثر هشاشة عندما يصبحون في حالة هروب من الكوارث المناخية وتداعياتها.
ولدى سولهايم قناعة بأن التغيّر المناخي لا يسفر مباشرة عن الحروب، فالحروب تتأثر بالبشر، لكن تغير المناخ قد يُسهم بشكل كبير في تفاقمها من خلال النزوح والصراعات الناجمة عن الظلم والفقر. ويؤكد سولهايم ضرورة أن تأخذ جميع العقائد العسكرية تغيّر المناخ في الحسبان، وأن تستعد لعالم يتشكّل بمناخ أكثر حرارة. كما يجب أن تكون جميع أهداف اتفاق باريس - الزيادة الكبيرة في الطاقة المتجددة أو التخطيط الأفضل للتكيّف المناخي - جزءاً لا يتجزأ من أي استراتيجية للأمن القومي.
وأضاف سولهايم: علينا أن نناضل من أجل السلام والعمل المناخي بشكل متوازٍ. فالحروب تُسبب دماراً بيئياً هائلاً، وتؤدي إلى انبعاثات هائلة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، كما أن ارتفاع درجات الحرارة، سيستحدث العديد من المخاطر التي تزيد من احتمالات الصراعات. وعلى الجانب الإيجابي، تُتيح الطاقات المتجددة فرصةً هائلةً للأمن الوطني للطاقة، حيث تتوافر طاقة الرياح والشمس في كل مكان. وينبغي على النشطاء البيئيين محاولة فهم الأبعاد الأمنية للعمل المناخي، وعلى المُخططين العسكريين دمج المعرفة المناخية في تفكيرهم.
التغير المناخي والسلام والأمن الدوليان
في 15 يونيو 2023، دعت الإمارات أثناء رئاستها لمجلس الأمن لشهر يونيو، خلال نقاشات مفتوحة، تحت بند «المخاطر التي تهدد السلم والأمن الدوليين»، إلى تبني نهج تعاوني وسريع الاستجابة، لمعالجة العلاقة المتبادلة بين التغير المناخي والسلام والأمن الدوليين.
وجاء في بيان الإمارات: «أن تغير المناخ بوصفه عاملاً يضاعف المخاطر لم يعد سيناريو افتراضياً، بل أصبح تجربة حية يومية في مختلف بيئات النزاع حول العالم». وأوضحت الإمارات في مجلس الأمن، آثار التغير المناخي على السلام والأمن في عدد من السياقات المدرجة على جدول أعمال المجلس، بما في ذلك الصومال والعراق وجنوب السودان. وأفصحت الإمارات عن تخصيص يوم «للإغاثة والتعافي والسلام»، للمرة الأولى في «كوب28»، ليصبح «أول حدث من نوعه يجري في مؤتمر الأطراف من أجل تسليط الضوء على التقاطع بين التغير المناخي والسلام والأمن، واقتراح حلول عملية لمنع ومعالجة العبء الناجم عن تأثير تغير المناخ على الاستقرار».
أكبر تهديد للسلم العالمي
وبعد أكثر من عامين على تأكيد الإمارات للمجتمع الدولي في مجلس الأمن بخصوص الترابط الوثيق بين المناخ والسلم الأمن الدوليين، جددت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، في 21 نوفمبر الماضي، وعلى هامش «كوب30»، مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ على أطراف غابة الأمازون، التأكيد على أن: «الأضرار الناجمة عن تغير المناخ، تمثل أكبر تهديد للسلام العالمي، وأن في هذه الأوقات يجب علينا التركيز أكثر على السلام والأمن، فأزمة المناخ هي أكبر تهديد أمني في هذا القرن». «بيربوك»، التي شغلت منصب وزيرة الخارجية الألمانية سابقاً، أوضحت: أنه «لا يمكننا ضمان سلام وأمن دائمين في العالم، إلا إذا واجهنا أزمة المناخ معاً، وإذا تعاونا لتحقيق تنمية مستدامة، لأنهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً».
«بيربوك» أشارت إلى موجات الجفاف وأضرار أخرى ناجمة عن الظواهر المناخية المتطرفة في أماكن مثل تشاد وسوريا والعراق. وقالت: إنه «عندما تجف المحاصيل، يعاني الناس من الجوع، ثم يهاجرون إلى أماكن أخرى أو يتقاتلون على المياه النادرة. هذه دائرة مفرغة. وإذا لم نوقف أزمة المناخ، فإنها ستؤدي إلى تفاقم الجوع والفقر، مما سيزيد من موجات النزوح، وبالتالي ستتأثر مناطق أخرى بطريقة مختلفة، مما يعيد بدوره إنتاج عدم الاستقرار والأزمات، وغالباً النزاع أيضاً. لذا فإن مكافحة أزمة المناخ تمثل أيضاً أفضل ضمان أمني».

إعادة تشكيل خريطة الصراعات العالمية
في تصريح خاص لـ«الاتحاد»، أكد السفير الدكتور مصطفى الشربيني، الخبير الدولي في الاستدامة والمناخ، الرئيس التنفيذي لمعهد الاستدامة والبصمة الكربونية، ومراقب باتفاقية باريس للمناخ: أن «السلام والعمل المناخي وجهان لعملة واحدة. المناخ أصبح عامل استقرار أساسياً للعالم كله، وأيّ اضطرابات تطرأ عليه، تؤجج التوترات، على سبيل المثال تعاني منطقة القرن الأفريقي من التغيرات المناخية، ما يؤدي إلى فجوات اقتصادية، وهجرة غير شرعية، ونزاعات بين الدول، وتعطل في سلاسل التوريد»، وأوضح الشربيني، أن تداعيات التغير المناخي المتعلقة بالتصحر والجفاف، وتراجع الزراعة، وندرة المياه، تعيد تشكيل خريطة الصراعات العالمية على مصادر الطاقة والغذاء والأراضي. وأضاف: التغير المناخي أدى إلى تغيير النظام الاقتصادي العالمي، ودفعه نحو الاقتصاد الدائري أو الأخضر، ودعا الشربيني، إلى ضرورة دمج مفهوم «الأمن المناخي» كجزء من الأمن القومي للدول، والاستثمار في مواجهة التغير المناخي ضمن الاستثمار في صناعة السلام، مؤكداً أنه في زمن التغير المناخي أصبح السلام والعمل المناخي وجهين لعملة واحدة.
وأشار الشربيني، إلى «معاهدة السلام مع الطبيعة»، الناتجة عن «اتفاق كونمينغ-مونتريال» عام 2022، من أجل حماية الأراضي والمحيطات والأصناف من التلوّث والتدهور والأزمة المناخية، حيث نص الاتفاق على خريطة طريق لحماية 30% من الكوكب بحلول 2030، وتخصيص 30 مليار دولار من المساعدات السنوية للبلدان النامية، في جهودها لصون الطبيعة.
وأوضح الشربيني، أن العالم لم يحقق سوى 13% فقط من أهداف التنمية المستدامة، والتي ينبغي تحقيقها بحلول عام 2030، لأسباب تتعلق بالتغير المناخي.

ترابطات معقدة
وفي تصريح خالص لـ«الاتحاد» أكد فابيان مونتيلز، رئيس أمن البيئة في قسم الكوارث والنزاعات ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنه قد أصبح من الواضح في مختلف أنحاء العالم أنّ المقاربات المتكاملة باتت ضرورية للتعامل مع تحديات المناخ والبيئة والسلام والأمن. وأضاف: تؤدي النزاعات المسلحة إلى التلوث، والنفايات، وتدمير النظم البيئية الأساسية، وينتج عنها آثار طويلة الأمد على الأمن الغذائي والمائي، وعلى الاقتصادات وصحة الإنسان.
ويرى مونتيلز أنه في مثل هذه الحالات يصبح التكيف مع المناخ أكثر صعوبة، مما يزيد من هشاشة المجتمعات المتأثرة بالنزاعات والتي هي بالفعل الأكثر عرضة للمخاطر. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي الضغوط والهزات المناخية، وتدهور البيئة، وندرة الموارد الطبيعية إلى تفاقم العوامل الأساسية للحروب والصراعات – مثل عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي – التي تؤدي إلى النزاع والنزوح في المقام الأول.
واستنتج مونتيلز أن فهم هذه الترابطات المعقدة هو المفتاح لوضع استجابات تلبي احتياجات المناطق والمجتمعات التي تقع على الخطوط الأمامية لأزمة المناخ المتفاقمة.

«سلام مع الطبيعة»
يفسر كثيرون أن التغير المناخي، يحدث جراء عدوان البشر على الطبيعة، ما يستوجب إبرام «سلام مع الطبيعة»، للتعافي من تداعيات الاحتباس الحراري، والكوارث الطبيعية الأخرى، وحول رؤية الفلاسفة المعاصرين للتحدي المناخي، يقول الأكاديمي الموريتاني د.السيد ولد أباه: إن الفيلسوف الفرنسي «ميشال سر»، المتوفى سنة 2019، دعا إلى «عقد طبيعي»، أي عقد مع الطبيعة بصفتها تمتلك حقوقاً قانونيةً ثابتة، على غرار العقد الاجتماعي، الذي بلوره فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر.
«ميشال سر»، يرى أن السلم العالمي يقتضي مثل هذا العقد الطبيعي، لأن علاقة الإنسان بالطبيعة أصبحت متوترة، ومصدر اضطراب خطير على مستقبل البشرية.
ويوضح ولد أباه: في تطورات العلم التجريبي والتقنيات المعاصرة، انتقل الهدف من اكتشاف قوانين الطبيعة إلى السيطرة العنيفة عليها، وهي ليست صامتة، بل تعكس بطش الإنسان وأنانيته، من خلال ظواهر بارزة مثل الاحتباس الحراري، وفيضان المحيطات، وانتقال الفيروسات وتزايد الكوارث.
وهكذا يخلص «سر»، إلى ضرورة تغيير النظرة إلى الطبيعة لتصبح شريكاً للإنسان، بدلاً من أن تكون عدواً له، وهو ما يسميه السلام الأيكولوجي كشرط للسلم البشري.
وتابع ولد أباه: من هنا تأتي ضرورة بلورة فلسفة أخلاقية جديدة، التي حاول الفيلسوف الألماني «هانس يوناس» صياغتها وفق «مبدأ الاحتياط» vorsorgeprinzip، والذي تقتضيه التطورات التقنية الراهنة في أبعادها المستقبلية. وضبط يوناس هذا المبدأ في الصيغة التالية: «لتكن في فعلك حريصاً على أن تكون آثاره متلائمة مع استمرار حياة بشرية أصيلة على الأرض».

دبلوماسية تعزز فرص النمو
وفي تصريح خاص لـ«الاتحاد»، أكد الأستاذ الدكتور خالد المري، عميد البحوث في الجامعة البريطانية بدبي، أن دبلوماسية الإمارات المناخية هي في جوهرها دبلوماسية تنموية وطنية، تُقارب العمل المناخي من منظور التنمية المستدامة، وتنويع الاقتصاد، ونشر الحلول المستدامة في قطاعات الطاقة والزراعة والغذاء والمياه. وأوضح المري، أن هذه الدبلوماسية تتميز بأنها تربط بذكاء بين خفض الانبعاثات وإيجاد فرص نمو جديدة، مقدّمةً نموذجاً عملياً تستفيد منه دول الجنوب العالمي. وأضاف المري، أن ريادة الإمارات في الذكاء الاصطناعي، رافعة استراتيجية لتعزيز دورها في دعم هذه الدول في مواجهة التحديات المناخية، عبر توظيف تقنيات متقدمة في التنبؤ المناخي، وإدارة الموارد، ورفع كفاءة الإنتاج. وخير دليل على هذا المسار، مبادرة الإمارات بتخصيص مليار دولار لدعم حلول الذكاء الاصطناعي في أفريقيا، بما يجسد انتقال دبلوماسية المناخ من مستوى الخطاب إلى مستوى الاستثمار الفعّال وبناء القدرات، وترسيخ شراكات عادلة تعزز التنمية المستدامة في الجنوب العالمي.
دبلوماسية الشراكات
من جهته أكد د.وائل كشك، باحث أول في قسم الاستدامة والعمل المناخي بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، في تصريح خاص لـ«الاتحاد»: أن الدبلوماسية المناخية لدولة الإمارات، تعد نموذجاً رائداً إقليمياً ودولياً يستند إلى رؤية استشرافية واضحة، ونهج متكامل يؤمن بأهمية الشراكات وتعزيز الثقة عبر آليات الحوار، لتحقيق التوافق والتقدّم المشترك وتحفيز الابتكار في مجالات العمل المناخي وحماية الطبيعة. وأضاف كشك، أن الإمارات رسخت حضورها العالمي بمشاركات فاعلة في مؤتمرات الأطراف المعنية بالمناخ والطبيعة على مستويات عدة، عبر دفع مسارات التفاوض، ودعم التحول للتنفيذ بمبادرات نوعية تقدم حلولاً عملية تربط بين أهداف المناخ والطبيعة، وتعزز الاستثمارات الداعمة. ويرى كشك أن أبرز الأمثلة على دور الإمارات الريادي يتجلى في استضافتها قمة المناخ «كوب28»، وبلورة «اتفاق الإمارات» التاريخي الذي مثّل بصمة فارقة في العمل المناخي الدولي، إذ نجحت خلاله الدبلوماسية الإماراتية في إرساء مبدأ الشمولية ومد جسور التعاون. وكان إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إنشاء صندوق بقيمة 30 مليار دولار لدعم الحلول المناخية عالمياً، أحد أبرز لحظات هذه القمة. كما سجلت الدولة حضوراً فاعلاً في قمة المناخ الأخيرة بالبرازيل «كوب30»، بصفتها من أوائل الداعمين لمرفق «الغابات الاستوائية»، من أجل تعزيز حلول المناخ والطبيعة. كما استضافت الإمارات المؤتمر العالمي لحماية الطبيعة عام 2025، وتُواصل استعداداتها لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه عام 2026 بالشراكة مع السنغال، استكمالاً للجهود العالمية الاستراتيجية التي تضع ملف المياه في بؤرة العمل المناخي.

مركز مؤثر في دبلوماسية المناخ
قالت ديانا فرنسيس، الأستاذ المساعد في قسم علوم الأرض بجامعة خليفة، في تصريح خاص لـ«الاتحاد»، إن الإمارات لاعب مؤثر في دبلوماسية المناخ، من خلال الجمع بين المبادرة السياسية والدعم المالي والتكنولوجي الملموس للمناطق الأكثر عرضة لتأثيرات تغيّر المناخ. فمن خلال المساعدات الإنمائية، تمول الإمارات مشاريع تدعم جهود التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، أبرزها إطلاق آلية التوسع في الابتكار الزراعي (AIM for Scale) في (كوب28)، بالشراكة مع مؤسسة بيل وميليندا جيتس، وهي مبادرة تهدف إلى تسريع نشر حلول مبتكرة في نُظم الغذاء، لتعزيز القدرة على الصمود، وزيادة الإنتاجية، في ظل الظروف المناخية المتغيرة، وخفض الانبعاثات عبر سلاسل القيمة الزراعية.
وأضافت: الإمارات وسّعت استثماراتها في الطاقة النظيفة حول العالم، كي تُحسّن الوصول إلى الطاقة مع خفض البصمة الكربونية في الاقتصادات النامية. وتُستكمل هذه الجهود بمبادرات نقل التكنولوجيا لسد الفجوات الرقمية، خاصة ما يتعلق ببيانات المناخ، مشيرةً إلى أن الإمارات أعلنت خلال قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا، عن مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية» بقيمة مليار دولار، لتعزيز البنية التحتية الرقمية في جميع أنحاء أفريقيا، مما يحسّن الرصد البيئي، وأنظمة الإنذار المبكر، والخدمات الذكية للمناخ. وتُجسّد هذه الإجراءات معاً استراتيجية دبلوماسية متنامية تمزج بين التمويل والابتكار وبناء القدرات لدعم العمل المناخي العالمي، وخاصة بمناطق تواجه ضغوطاً مناخية وتنموية.

برونا مارتينز لـ«الاتحاد»: السلام مع الطبيعة أهم عمل مناخي في غابات الأمازون
في تصريح خاص لـ«الاتحاد»، قالت برونا مارتينز، مديرة تطوير وإشراك المجتمعات المحلية في «ائتلاف حراس المانغروف الأمازونيين»: «إنها وُلدت ونشأت في منطقة الأمازون البرازيلية. وفي عام 1995، خلال أول مؤتمر للأطراف في برلين (كوب1)، كنتُ في السادسة من عمري فقط. أتذكر بوضوح المرة الأولى التي سمعت فيها مصطلح (الاحتباس الحراري) في الأخبار. لقد دمّرتني فكرة وصورة الكوكب وهو يحترق. لأنني كنت طفلة صغيرة، فقد غيّرَت تلك المعلومة نظرتي الفورية لرعاية الكوكب وسكانه. كنتُ أفكر في عائلتي وأصدقائي: (ماذا سيحدث لهم إذا احترق الكوكب؟)».
تقول مارتينز: إن لديها قناعة بروح التغيير التي تجلبها مؤتمرات الأطراف، مؤكدةً أن قيام البرازيل باستضافة «كوب 30» بمدينة بيليم في الأمازون، حملت رسالة توضح جهود الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في الحفاظ على الغابات والأنهار والمحيطات لفترة طويلة من خلال سُبل عيشهم المستدامة.
وأكدت مارتينز، أن أعظم إنجاز هو تعزيز الروابط بين المجموعات والمنظمات التي تتشارك الهدف نفسه، المتمثل بإسماع أصوات السكان المحليين في مؤتمرات المناخ، فدور الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في حماية نظامها البيئي لا جدال فيه. وتابعت: رغم ذلك، تواجه هذه المجتمعات صراعات يومية ناتجة عن الإهمال الاجتماعي والاقتصادي غير المرئي، والتهديدات المستمرة بأنشطة غير قانونية، كالتعدين وإزالة الغابات داخل أراضيهم، مؤكدةً أن السلام مع الطبيعة يعتبر العمل المناخي الأهم في غابات الأمازون. يشار إلى أن البرازيل دشنت في بداية «كوب30 » في 10 نوفمبر الماضي، «مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد»، الذي سيكافئ الدول التي تنجح في وقف إزالة الغابات، ويجعل قيمة بقاء الغابات أعلى من إزالتها.
وعن أشجار المانغروف الأمازونية، قالت مارتينز: إن حالة السلام الحقيقية تتطلب أكثر من مجرد غياب للعنف، من خلال توفير الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وحل النزاعات مع مصايد الأسماك الصناعية، وأعمال الصويا وزيت النخيل، والتوسع الجائر لشركات النفط والغاز. وأضافت: السلام ليس رفاهية، بل هو شرط مسبق للحفاظ على البيئة، ومن دونه، لا يمكن لمجتمعاتنا ولا لأنظمتنا البيئية الحيوية أن تزدهر وتحافظ على الحياة التي تقدمها للكوكب.
وأشارت إلى أن غابات المانغروف، تُعد الموطن المشترك لما يقرب من 70000 عائلة، تعتمد على النظام البيئي لضمان أمنها الغذائي، الذي حافظت عليه عبر التاريخ، من خلال أنشطتها الاجتماعية والإنتاجية والثقافية بطريقة مستدامة.
وأكدت أن تحقيق حماية هذه المنطقة، يأتي من خلال 25 منطقة محمية «وحدات الحفظ الفيدرالية»، من ضمنها 19 محمية بحرية استخراجية، لحماية البيئة والاعتراف بطرق الحياة التقليدية، والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية. وترى مارتينز، أن هذه المحميات تُعد أدوات فعّالة للتخفيف من آثار تغيّر المناخ والتكيّف معه، وهي أساسية في التقاط الكربون، وحماية النظم البيئية الساحلية، بما في ذلك «الكربون الأزرق».
وختمت مارتينز حديثها قائلة: إن المجتمعات التي ترعى غاباتنا ومحيطاتنا، تواجه بالفعل تهديدات كبيرة وتأثيرات مباشرة من أزمة المناخ. الاعتراف بهذه الحقيقة ليس قابلاً للمساومة، وهو ما يجعل حماية حقوقهم وأراضيهم وكرامتهم، شرطاً أساسياً ومُلزماً لكل عمل مناخي مستقبلي.

سلام بالسياسات المناخية
وفي تصريح خاص لـ«الاتحاد» أكدت البروفيسورة بياتريس غارسيا، أستاذ مشارك في القانون ومتحدثة رسمية لشؤون الاستدامة في جامعة السوربون أبوظبي: أن العمل المناخي يتطلب قدرة واستعداداً لدى الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمعات، والأفراد، لاتخاذ خطوات فعلية لمواجهة تغيّر المناخ، مثل سنّ القوانين والسياسات المناخية، وابتكار نماذج وممارسات أعمال مستدامة، والاستثمار في التقنيات النظيفة، أو تنفيذ حملات توعوية عامة، ومشاريع في مجال الاستدامة.
فعندما تمتلك الدول سياسات بيئية واضحة، تنظم استخدام الأراضي والمناطق المحمية وإدارة الموارد، فإنها تمنع التوترات المتعلقة بملكية الأراضي والوصول إلى الموارد الطبيعية. وبالتالي، يمكن للسياسات المناخية القوية والعادلة أن تمنع النزاعات. وعلى نطاق أوسع، عندما تتضاعف هذه الإجراءات عبر المجتمعات والمدن والدول، فإنها تسهم في بناء مجتمعات قادرة على إدارة مواردها الطبيعية بشكل أكثر عدالة، مما يساعد في تجنّب نشوب صراعات أكبر.

الأقل تلويثاً والأكثر تضرراً
من جهتها، أكدت أمينة غريب فقيم، الرئيس الأسبق لجمهورية موريشيوس، والعالمة في التنوع البيولوجي، في تصريح خاص لـ«الاتحاد»: أن القارة الأفريقية، تتسبب في أقل من 4% فقط من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالمياً (الغازات الدفيئة)، ومع ذلك، تُعدّ دولها من بين الأكثر تضرراً من التغير المناخي، فقد باتت حالات الجفاف وتغير أنماط هطول الأمطار والفيضانات، شائعة في العديد من البلدان. وأضافت فقيم: «في الدول الجزرية، مثل بلدي، يُؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تآكل السواحل، مما يُؤثر سلباً على قطاع السياحة، وبالتالي على سُبل عيش الصيادين. وبينما يُسلّم الجميع بضرورة أن تكون الإجراءات محلية ذات تأثيرات عالمية، إلا أن قدرة الدول على معالجة هذه المشكلة بمفردها محدودة». ولدى فقيم قناعة بأن النظام متعدد الأطراف لديه القدرة على جمع الدول المعنية على طاولة واحدة، والمساعدة في إيجاد حلول وتخفيف هذه المشكلات العالمية. وتحذر فقيم، من أنه إذا لم تُعالج هذه المشكلات بالطريقة الصحيحة، فستتأثر الزراعة والأمن الغذائي وإمدادات المياه والطاقة، وستكون لذلك تكاليف باهظة على النسيج الاجتماعي للدول، وستخلّف عواقب وخيمة. وختمت «فقيم» قائلة: تشهد أجزاء كثيرة من العالم بالفعل مثل هذه السيناريوهات. وهنا يتبادر إلى الذهن وضع جزيرة توفالو تحديداً، حيث من المتوقع أن تغمر المياه 90% من مساحتها بحلول نهاية هذا القرن.

البصمة الكربونية للحروب
في جهد علمي لرصد البصمة الكربونية للحروب وخطورتها على المناخ، وبالتطبيق على حرب غزة وامتداداتها الإقليمية في الشرق الأوسط، استنتج بينيامين فيمارك، الأكاديمي بكلية الأعمال والإدارة بجامعة «كوبن ماري» البريطانية، في مايو الماضي، أن العمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران واليمن، أسفرت عن انبعاثات تعادل تشغيل 84 محطة توليد طاقة تعمل بالغاز لمدة عام كامل. الدراسة استنتجت أيضاً، أن الانبعاثات الكربونية للشهور الـ 15 الأولى لحرب غزة، أسفرت عن انبعاثات كربونية تفوق انبعاثات 100 دولة كل منها على حدة.
وحسب الدراسة، يزيد إجمالي البصمة الكربونية الناجمة عن تدمير غزة وإعادة بنائها على 31 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أو ما يزيد على انبعاثات كوستاريكا وإستونيا معاً. أما في حرب أوكرانيا فقد بلغت البصمة الكربونية 230 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وفقاً لدراسة أجرتها (المبادرة غير الربحية لمكافحة الغازات الدفيئة في الحرب GHG )، بما يعادل الانبعاثات السنوية لكل من النمسا والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا مجتمعة، الأمر الذي طالبت أوكرانيا على غراره بـ 44 مليار دولار تعويضاً عن الخسائر المناخية للحرب، ما اعتبره البعض تعزيزاً لمفهوم أن السلام هو العمل المناخي الأكبر، كونه يعمل على تصفير البصمة الكربونية للحروب.
ويشير «تشاندرا ناير»، عضو نادي روما، والمؤسس والرئيس التنفيذي لـ «المعهد العالمي للغد»، مركز البحوث الآسيوي المرموق، أن الأنشطة العسكرية الروتينية تتسبب في 6% من الانبعاثات العالمية، أي 2.53 مليار طن من الانبعاثات سنوياً، وهو رقم يفوق انبعاثات قارات بأكملها، فالانبعاثات العسكرية تتجاوز إجمالي انبعاثات روسيا أو حتى أفريقيا. وأوضح أن دبابة واحدة من نوع «أبرامز» تحرق بيوم واحد فقط ما يعادل وقود سيارة مدنية لمدة عام كامل، ما يجعل من الصعب إقناع الأفراد بخطوات بسيطة لكبح الاحترار والتحول في مجال الطاقة، كاستخدام مصاصات الورق بدلاً من البلاستيك، والحد من الانبعاثات، في ظل المقارنة بتلوث غير منضبط في القطاعات العسكرية.
وحسب معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، فإن كل 100 مليار دولار في الإنفاق العسكري العالمي يخلّف 32 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، علماً بأن عام 2024 شهد زيادة عالمية في الإنفاق العسكري هي الأعلى منذ نهاية الحرب الباردة.

ويرى رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، أن الحروب الراهنة في أوكرانيا وغزة، وما ينفق عليها من أموال ضخمة وخسائر بشرية، كان يمكن توجيهها إلى صناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة، واستثمار ما ينفق على الحروب في التحول بمجالات الطاقة ومسارات التنمية المستدامة، والعودة إلى الطبيعة النظيفة، داعياً إلى ضرورة وقف هذه الحروب حمايةً للإنسان والمناخ.
تكلفة مادية وبشرية باهظة
يشير أحدث تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والمعنون بـ«توقعات البيئة العالمية - الإصدار السابع: مستقبل نختاره»، إلى أن تكلفة الظواهر الجوية المتطرفة المنسوبة إلى تغيّر المناخ، خلال العشرين عاماً الماضية بلغت نحو 143 مليار دولار سنوياً. يُقدَّر أن 20 - 40% من مساحة الأراضي حول العالم، تعرضت للتدهور، ما يؤثر في أكثر من 3 مليارات شخص، في حين أن مليون نوع من الكائنات الحية من أصل 8 ملايين تقريباً مهدّدة بالانقراض.
وحسب التقرير، يسفر التلوث بمختلف أشكاله عن مقتل 9 ملايين شخص سنوياً. أما التكلفة الاقتصادية للأضرار الصحية الناتجة عن تلوث الهواء وحده، بلغت نحو 8.1 تريليون دولار في عام 2019، أي ما يعادل حوالي 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ويشير التقرير إلى أن الحالة البيئية ستتدهور بشكل كبير، إذا واصل العالم تشغيل اقتصاده وفق نهج «العمل كالمعتاد». وينوّه التقرير، إلى أنه من المرجّح « إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة»، أن يتجاوز ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، قرابة 2030، وأن يتجاوز درجتين مئويتين بحلول عام 2040، ليواصل ارتفاعه بعدها. وعلى هذا المسار، يحذر التقرير من أن تغيّر المناخ يتسبب في خسارة 4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً بحلول عام 2050، و20% بحلول نهاية القرن. ومن المتوقع، وفقاً للتقرير، أن يستمر تدهور الأراضي بالوتيرة الحالية، حيث يفقد العالم سنوياً مساحات خصبة ومنتِجة تعادل مساحة كولومبيا أو إثيوبيا، وذلك في وقت قد يؤدّي فيه تغيّر المناخ إلى خفض نصيب الفرد من توافر الغذاء بنسبة 3.4% بحلول عام 2050. ويؤكد التقرير أن استمرار تراكم 8 مليارات طن من النفايات البلاستيكية التي تلوّث الكوكب، سيؤدي إلى ارتفاع الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالصحة، والمقدّرة بنحو 1.5 تريليون دولار سنوياً، نتيجة التعرّض للمواد الكيميائية السامة الموجودة في البلاستيك.
تصفير النزاعات شرط لتصفير الانبعاثات
خلال «كوب29» الذي أقيم في باكو عاصمة أذربيجان، أكد سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أن العالم يحتاج سنوياً إلى تمويل قدره 2.4 تريليون دولار أميركي لمواجهة التغير المناخي، والمفارقة أن أمين عام الأمم المتحدة أنتوني غوتيرش صرّح في 9 سبتمبر 2025، بأن الإنفاق العسكري العالمي بلغ العام الماضي وحده 2.7 تريليون دولار، أو ما يعادل 334 دولاراً لكل فرد على وجه الأرض. ما يعني أن أجواء السلام عبر وقف الحروب، وتصفير النزاعات، ومن ثم تخفيض الإنفاق العسكري، توفر قدرات تمويلية لدى القوى الكبرى لتوجيهها نحو العمل المناخي والتحول العادل والمنظم والمسؤول في قطاع الطاقة، والانتقال إلى الاقتصاد الدائري والتنمية المستدامة.
اقرأ أيضا.. الدبلوماسية المناخية.. جهود عالمية لكبح الاحترار (1 - 2)