الإثنين 2 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

«التعدد اللغوي».. سرديات عابرة لوعي العالم

تعددية السرد البصري للشرق عبر لوحة «بائع الزهور» للفنان رودولف إرنست (أرشيفية)
1 نوفمبر 2026 00:59

محمد عبدالسميع

هل يؤثّر امتلاك الأديب أكثر من لغة في طريقة تفكيره وصياغته للنص الإبداعي، بالنظر إلى أن لكل لغة خصائصها وموسيقاها، وحركتها وإحساس الكاتب بها؟ وهل يوسّع هذا التعدد من مساحة رؤيته وموضوعيته ليثمر منتجاً ثقافياً عابراً للحدود؟ والأهم من ذلك: هل ثمة مشتركات إنسانية جديدة تولد من رحم هذا التلاقح، لتنعكس على أسلوب النص، وشكله، ومضمونه؟
تساؤلات فكرية طرحتها «الاتحاد» على عدد من الأدباء والنقاد، فجاءت آراؤهم محمّلة بأبعاد تفكك «بنية الاكتشاف» اللغوي، وتتقصّى أثر «الذاكرة العاطفية والتجربة الوجودية» لكل لغة في تحديد مسافة الكاتب النقدية من لغته الأم.

استعارة القيم والفنون 
أكد الأديب والناقد الأمير كمال أهمية تفاعل لغتنا مع غيرها من اللغات عبر الاستعارة والاشتقاق والتأثير المشترك، بل ومعرفة الآخر وتشابك المصالح والأهداف والتحديات، إذ يمكن استعارة مفاهيم وتعبيرات قوية، وإيقاعات وتراكيب ومصطلحات وأمثال وقيم جديدة، وذلك على مستوى البلاغة والتراكيب والصور الفنية، والتفاعل مع أشكال أدبية غير موجودة في تراثنا، فضلاً عن الجرْس الموسيقي والإيقاعي والدلالي لهذه اللغات، وكذلك المدارس الفنية أو التقنيات السردية المبتكرة.
ويرى كمال أن الكاتب متعدد اللغات يتميز بمساحة إبداعية فريدة يتجاوز فيها الحدود اللغوية الضيقة، إذ إن لكل لغة ذاكرة عاطفية وتجربة وجودية مختلفة، وهو ما يتيح تعبيراً أوسع عن المشاعر والأفكار، ويطور الوعي النقدي تجاه كل لغة. وبيَّن كمال أن التلاقح بين اللغات عملية صحية وحتمية، واللغة العربية نموذج في التفاعل مع اللغات الأخرى، بدليل التعريب، فضلاً عن نقل الألفاظ والتعبيرات المباشرة، وهو ما يولّد قيماً إنسانية، وتقنيات ومفاهيم فلسفية واجتماعية، وتعابير فنية.

سياقات معرفية وإبداعية 
من جهته، قال الشاعر والفنان علي البزاز: إن المبدع يكتب بلغة «أقلّوية»، أي «لا يُقصد بها الإثنية أو الانتماء العرقي، بل وضع لغوي إبداعي هامشي داخل اللغة السائدة»، بمعنى أنها لغة خاصة به حصراً، تتراكم عبر الإحساس والخبرة والقراءات والاطّلاع على ثقافات الأمم الأخرى. وهكذا يكتب المبدع - حتى في لغته الأم - بـ«أجنبيته»، وهي اللغة التي يكوّنها من العناصر آنفة الذكر. 
 وأضاف أن الكتابة بـ«أجنبيّة» المبدع لا تعني الكتابة باللغة الأجنبية فحسب، وإنما تعني الكتابة باللغة الأم أيضاً، ولكن خارج سياقاتها المعرفية والإبداعية السائدة، إذ ثمة استفادة من اللغات الأخرى، لكن المفردات تبقى عاجزة عن التعبير ما لم تقترن بالمفاهيم اللغوية والثقافية. ويدلل البزاز على ذلك باشتقاق «دولوز» مفهوم الترحّل من البداوة، كترحّلٍ بين المفاهيم والثقافات، وليس التنقل الفيزيائي في الثقافة العربية.

مساحة أوسع للتأمل 
وأكد الشاعر جواد لؤي العقاد أهمية الانفتاح العميق على ثقافات العالم واستيعابها، ثم إعادة إنتاجها داخل القصيدة العربية دون أن تفقد روحها أو نبرتها الخاصة، مدللاً بكتابات الشاعر الفلسطيني محمود درويش، لا على سبيل الاستعراض الثقافي، بل كوعيٍ بأن الشعر ابن العالم بقدر ما هو ابن اللغة. ويرى أن التعدد اللغوي لا يصنع أديباً بالضرورة، لكنه يمنح المبدع الحقيقي مساحة أوسع للتأمل، ومرونة أعلى في الرؤية، وقدرة أعمق على مساءلة اللغة نفسها، مما يثري النص الإبداعي الناتج عن ذلك. كما أن الكتابة بأكثر من لغة تجربة وجودية تقود نحو نصوص أكثر صدقاً وحرارة، وأشد قدرة على البقاء.
وينوّه العقاد بأن التأثر باللغات الأخرى وثقافاتها لا يعني استنساخ أساليبها أو استعراض مفرداتها، وإنما السماح لحساسيتها أن تنعكس على طريقة التفكير، والمزج بين الأصالة والتجدد، وبين التراث والحداثة.

استلهام أفكار جديدة 
وأوضحت الكاتبة إيمان الشباني أن امتلاك الأديب لأكثر من لغة يمنحه فرصاً كثيرة للإبداع والتنويع في الأسلوب بتنوع ثقافة اللغة، منوّهة بأن الفرنسية تمتاز -على سبيل المثال- بالعبارات المجازية، كما لا يمكن الترجمة الحرفية لأساليب الإنجليزية إلى العربية. فالتعدد اللغوي والتمكن منه يسهّلان التواصل عبر «الإشارات الرمزية»، أو «العبارات المجازية»، أو «التشبيهات المختلفة» من لغة إلى أخرى، إذ إن لكل لغة مفاهيم تختلف عن غيرها، وهو ما يثري فكر الأديب العربي الذي تتشكل «بنات أفكاره» وتختلف بحسب الزمان والمكان.

سرد عالمي 

ينطلق الأديب فراس حج محمد من أن اللغة - بشكل عام - هي مفتاح المعرفة والتواصل، وعن طريقها نقرأ أفكار الآخرين واهتماماتهم ومواقع القيم لديهم، لتتشكل المقارنة بعد ذلك. ويشير إلى أن التأثر والتأثير متبادلان وواضحان في أدب الشرق والغرب، كما في «ألف ليلة وليلة» وتأثيرها في حركة السرد العالمي، وتأثر الكتاب العرب بـ«الأدب الرمزي»، أو «الفانتازيا»، و«الواقعية السحرية»، وأدب «الديستوبيا»، إذ تجلّى التأثر في الجوانب الفنية والتقنية، وإيقاع السرد، والبناء المكثف للجمل - سواء أكانت قصيرة أم طويلة - وبلاغة النص، لافتاً إلى وجود أعمال إنسانية عابرة للثقافات واللغات.

رؤية نقدية
لفت الشاعر معاذ السمعي إلى أن اللغة - في حقيقتها - نظام رؤية أكثر من كونها مجرد أداة، وتعدُّدها يعني التفكير بأكثر من رؤية، وهو ما يؤثّر في بيئة الوعي نفسه، مضيفاً أن ثنائية اللغة تمنح الكاتب مسافة نقدية من لغته الأم، وهي معنيّة بتحريره - أولاً قبل نصوصه - من التلقين.
وأشار السمعي إلى توسُّع الأدوات وتعدّد الأسئلة، والتحول بالمعرفة إلى وعي، موضحاً أنماط المجاز والرمز والاقتصاد أو الانزياح كصفات تتصل بها اللغات، مما يجعلنا ندخل في بنية الاكتشاف لا الاستحواذ، إذ إن التقنية لا تكفي للتعايش مع لغة جديدة، بل المهم هو أن نحب هذه اللغة بقناعة ونعيشها ونحترمها، خاتماً بقوله: «من الجيد للعربي أن يتنفس في باريس، أو يرقص كمهرٍ إسباني في استعارة».

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©