الأحد 29 مارس 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: الحقيقة والقيم والخوارزميات

د. نزار قبيلات يكتب: الحقيقة والقيم والخوارزميات
29 مارس 2026 02:34

أخذنا نقتنع بأن الخوارزميات هي التي باتت تدير الحقائق والقيم وتشكِّلها، وفي مغبّة هذا نجد أن هذه الحقائق، فضلاً عن سرعة التعاطي معها، صارت وبفعل ذلك لا تخضع لشروط الدقة والمصداقية والصّحة المطلوبة، ومعها نشأت مجتمعات رقمية لا تعتدُّ بالمسافات، ولا تراعي خصوصية الكينونات البشرية وبناءها الهرمي، فالخوارزميات لا تحلل باستدلال منطقي، بل تتبع الترند اليومي وأرقاماً وإحصائيات تمثّل هي الحقيقة والقيمة معاً وتختزلها في مجرد رقم، فقد غدا كلُّ شيء افتراضياً وليس أمراً واقعاً، ذلك لأن الأمر الواقع يتطلب شهوداً وأثراً، وقبل ذلك دليلاً منطقياً.
فما نشاهده أو نسمعه قد لا يكون مماثلاً لمحيطنا، ما يجعلنا تحت أثر الصدمة وسيولة الحقائق وتداعيها، فقبل الخوارزميات كان الوقوف بجوار تمثال على سبيل المثال يُعدّ أمراً واقعاً بمحمول دلالي ومعنوي راسخ، له هويته وكيانه ورسالته، لكن مشاهدته اليوم في الشاشات تعني طمسه تحت تأثيرات عديدة ومختلفة لا تقف عند كينونة هذا التمثال وحده، ذلك لأن حضوره المرئي في الشاشة لم يتم وفق شروط السياق المحيط ومعطياته وزمنه، فلم يُتَح لنا الامتلاء به: تفكيراً وإحساساً وتدبراً، ما يعني أننا أمام نظام الواقع الجديد، لكن دون خيارات إنسانية أو هرمية أو رقابية حتى. فكل ما يصلنا يظلُّ خاضعاً للاحتمال واللاراهن والمُوجَّه، وهو غير حقيقي، لأننا لا نشاركه أو حتى نقاطعه أو يجعلنا نساهم في مدخلاته ومشتركه، إذ إن الحقيقة والقيم ثوابت راسخة لها مرجعياتها وأُطرها، وقد أخذت وقتها لكي تستوي وتصل إلى حالة الرسوخ هذه، فالخوارزميات وواجهاتها الرقمية قادرة على التلاعب بالقيم والحقائق، فتعالجها باتجاهات مختلفة وجارفة، وهنا ليس لنا خيار فيها إلا اللّمس على الشاشة وتحقيق استجابات ضعيفة، لا أثر كبيراً لها أمام الواقع الجديد، أما الحل المقترح فيتركز دائماً في العودة إلى التقويم الإنساني الأصيل، الذي لا نجد له بديلاً في إدانة كل مبتذلٍ أو غير سوي أو لامعقول، وذلك بتفعيل دور مستويات الإقناع والحجج النقلية والعقلية التي بنيت على أسس قيمية وحقائق مثبتة قبلاً، تجعل كلَّ مدخل خوارزمي موضوعياً ومدركاً ومفيداً، فلا غنى عن الشاشة التي اعتدنا عليها يومياً منذ أكثر من عشرين عاماً، فالتحدث عبر شاشة الهاتف، والدراسة عبر شاشة الحاسوب، وإرسال الدعوات والمباركات بالواتساب، وغيره، باتت واقعاً سائداً ومقبولاً، رغم افتقاره للحسية، واعتماده على محاكاةٍ افتراضيةٍ ذات مظهرٍ تقنيّ.
يزعم الفلاسفة أن الرتابة اليومية هي السبب في الإدمان على الواقع الافتراضي، بما يمتلكه من قدرة على محاكاة الأشياء والعلاقات والقيم والأحكام التي نطلقها، فما دمنا قادرين على أن ننوب عن أنفسنا بوسائل رقمية أكثر راحةً وأقل كلفة بشرية ومادية، فلماذا لا نحمي القيم والحقائق التي نحن شركاء بها، قبل قيام هذا العالم الافتراضي؟
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©