يقول الجنرال والمفكر العسكري البروسي «كارل فون كلاوزفيتز»: «يمتلك الاستراتيجيون العظماء في التاريخ قدرات ذهنية فائقة التطور»، ولكن يبدو أن الفشل الذريع الذي مُنيت به حروب القرن العشرين وكذلك الحادي والعشرين، وفشل مشروع النظام العالمي الجديد، وسقوط الإمبراطوريات وتهاويها، تحثنا على إعادة تحليل وفهم الاستراتيجيات العالمية خلال الأعوام المئة الأخيرة، خاصة تلك المتعلقة بمجال الفكر العسكري والاستراتيجي.
المرور عبر الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكذلك الحرب الباردة وحتى حربي الخليج الأولى والثانية والحروب الأهلية العربية منذ 2011، سواء تلك التي شاركت بها القوى العالمية أو التي بقيت تتفرج من بعيد، يؤكد أن الفشل العسكري كان سببه الفشل السياسي بالدرجة الأولى، وهذا واحد من أهم الجوانب التي وظفها كلاوزفيتز في مجال الفكر العسكري، في كتابه «عن الحرب»، والتي ظهرت في مقولته المعروفة «إن الحرب ليست سوى استمرار للسياسة، ولكن بوسائل أخرى»، ولا يقتصر الأمر على «كلاوزفيتز»، فهناك عدد كبير من المنظِّرين الحربيين والاستراتيجيين الذين يرون أن الفشل السياسي سيؤدي دائماً إلى الفشل العسكري، وبالتالي فإن الحروب، بأشكالها كافة، هي تجربة أخرى مستنسخة من عقلية تفتقد القدرات الذهنية الفائقة لوضع خطة سياسية استراتيجية تضمن الاستقرار والأمن والسلام.
كتاب «عن الحرب» لـ«كارل فون كلاوزفيتز»، وأحد أمّات كتب الحرب الخالدة ولكنه أيضاً، ومع أنه كتاب فكر عسكري بحت، يُعد من وجهة نظري، من المرجعيات الأساسية في الفكر الاستراتيجي السياسي، وكذلك التخطيط الاستراتيجي. 
في أغسطس 2019، كتب المؤرخ العسكري الأميركي «دونالد ستوكر» كتاباً بعنوان «لماذا تخسر أميركا الحروب: الحرب المحدودة والاستراتيجية الأميركية من الحرب الكورية إلى الوقت الحاضر؟»، حلل فيه «ستوكر» أسباب فشل النظرية الاستراتيجية على طريقة الحرب الأميركية الحديثة، من خلال إعادة هيكلة مفهوم «الحرب المحدودة»، وفي النهاية شرح كيف أساء قادة الولايات المتحدة فهم دورهم في تشكيل الاستراتيجية، وهذا التحليل والشرح يبين بشكل واضح، للسياسي والدبلوماسي قبل العسكري، أهمية وخطورة الاستراتيجيات اللازمة والضرورية لتخطيط السياسات وتطويرها، خاصة تلك المرتبطة بسياسات الأمن والاستقرار.
في الشرق الأوسط، نجد بعض القيادات السياسية التي فشلت فشلاً ذريعاً في قدرتها الاستراتيجية السياسية قد وقعت في مطب جرّ بلادها إلى حروب فاشلة، وأكبر مثال على ذلك تركيا، حيث أثبت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فشله الذريع في قيادة الدولة التركية من ناحية سياسية، ولاحظ العالم أجمع ذلك التخبط في السياسات التركية تجاه الأقليات العرقية، وكذلك تجاه الحريات الصحفية والتنكيل بالمعارضة التركية، والذي أدى إلى تهاوي الاقتصاد التركي، إضافة إلى تدمير العلاقات الدولية لتركيا مع جيرانها وحلفائها، فلجأ أردوغان إلى تبرير فشله الداخلي والخارجي ببدء حروب ومعارك في سوريا وليبيا، ومؤخراً راح يبحث عن افتعال المعارك مع الاتحاد الأوروبي بالتنقيب عن النفط والغاز خارج حدود مياهه الإقليمية.
في إيران، المسألة ليست مختلفة، حيث أدى الفشل السياسي والاقتصادي إلى زرع أدوات سياسية خارجية في دول عربية، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتهديد أمنها واستقرارها، إضافة إلى التخبط في السياسة الخارجية مع الولايات المتحدة، والتصعيد لافتعال حرب قد تؤدي إلى تهديد استقرار المنطقة برمتها.
يقول كلاوزفيتز «إن الحرب كالحرباء التي تغيّر من لونها كلّ لحظة، وهي تشكّل في عموميتها ثالوثاً يتكون من: العنف الخالص والحقد والعدائية التي يمكن اعتبارها غريزةً عمياء تقود هذا الصراع»؛ لذلك فإن الحروب التي تسعى إليها كل من تركيا وإيران ليست إلا «خليط كلاوزفيتز» من العنف والحقد والعدائية المتأصلة في القيادات السياسية التي فشلت في التخطيط الاستراتيجي وصناعة العلاقات الدولية وإيجاد السبل اللازمة لضمان الأمن والاستقرار في بلديهما وفي المنطقة بشكل عام.
هل يفكر هؤلاء القادة السياسيون في تركيا وإيران بثمن الحرب؟ هل يفكرون بالمدنيين والدماء التي تراق يومياً بسبب التعنت والفشل السياسي؟ يقول «دونالد ستوكر»: «إذا لم نكن قادرين على أن نكون صادقين مع أنفسنا بشأن ما إذا كنا حتى في حالة حرب، فمن غير المرجح أن نكون صادقين مع أنفسنا بشأن تكلفة الدم والمال اللازمين لفرض هذه الحرب».
لن نمتدح الإمارات، فالإمارات تمتدح نفسها بأعمالها ومشاريعها وخططها الاستراتيجية المعروفة لإرساء السلام والهدوء والأمن إلى هذه المنطقة وإلى العالم أجمع، بفضل حكمة قيادتها وقدراتها الذهنية فائقة التطور.