رسالة التسامح وفطرة العالم
تتجدد الدعوة ذات الفطرة النقية إلى الالتفاف حول القيم الحضارية والأخلاقية الثابتة، المؤسِّسة لنسق إنساني متناغم في ظل التداعيات المتهافتة والتحولات الطارئة التي يواجهها هذا العالَم في كل ساعة وكل يوم.
وفي ظل ما يتصدر المشهد الإنساني من نضال دائم ومستمر ضد قوى الشر بشتى أشكالها، ومع ما خلفته الحروب والنزاعات من تعطش إنساني حقيقي للعودة إلى الفطرة السليمة التي لا تطيق الاحتراب والانعزال، يأتي اليوم العالمي للتسامح في السادس عشر من نوفمبر من كل عام، ليذكّرنا بأهمية تجديد الوفاء والعهد مع أنفسنا أولاً ثم مع عائلتنا الإنسانية الكبيرة وتقريب صلات الأخوّة فيما بيننا والتعالي على كل مظاهر الفرقة والكراهية.
لقد انتقل الإنسان من بيئته القديمة إلى بيئة أكثر تعقيداً ما فتئت تشهد المزيد من الأزمات التي يُبذل لتجاوزها الغالي والنفيس، من أجل الوصول إلى حالة أكثر اتساقاً ورفاهاً وأعلى قدرةً على الإنصات لحاجات الإنسان. وهنا نستذكر قول الحق سبحانه وتعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». وهذا التغيير النابع من أعماق الإنسان لا يكون بلا إرادة صادقة لإصلاح الذات، الإصلاح الذي تلعب فيه المؤسسات الدينية عامةً، والإسلامية خاصة، دوراً بارزاً وملهماً، لا سيما أنها منارةٌ لبث قيم التسامح والتعايش ولإشاعة الفهم القويم للدين الإسلامي انطلاقاً من حب صادق لهذا الدين والامتثال لأوامره، لا السعي لاستخدامه وتطويعه بغيةَ بث الكراهية وروح العصبية. ففي جوهر الدين الإسلامي السمح ما فيه من محبة ورحمة، وهو الذي حث على مكارم الأخلاق، وفي مقدمتها التسامح باعتباره أصل النظام الاجتماعي الإسلامي ومرتكز التعامل فيه مع الآخر.
إن المسؤولية كبيرة، لكنها ليست بالصعبة مع إدراك ما وضعه الله سبحانه وتعالى في هذه الأمة من خيار العلماء والمفكرين والفقهاء والحكماء. وفي هذا المقام لا بد من التأكيد على ضرورة تعريف ونشر ما يعنيه «التسامح الإسلامي» بأدق صوره، لا سيما في ظل الأدلجة المقصودة وغير المقصودة المولِّدة لمجموعة من الصور النمطية حول الإسلام والمسلمين، وبالتالي لا بد من إيصال الصوت النقي للقيم الإسلامية كرسالة محبة وترحيب بالتعايش تحت مظلة المشترك الإنساني. وكما أكد معالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، في الملتقى الأخير لـ«منتدى أبوظبي للسلم» حول «عولمة الحرب وعالميّة السلام.. المقتضيات والشراكات»، فإنه لا بد من استبدال سبل التقاتل والتنازع بالحوار كخيار لا بديل عنه، وصولاً للسلام، فـ«اللسان بدل السنان، والكلام بدل الحسام»، ولا بد للإنسان من الوعي بمسؤوليةِ «ركاب السفينة»، لاسيما أن المصير الإنساني مشترك مما يجعل التعاون والتضامن خيارَه الحتميَّ للانتقال من عولمة الكراهية إلى عالمية التسامح!
وقد تركزت الأضواءُ على خلق التسامح، حتى بات شعاراً جامعاً، لما أثبتَه من فعالية في الرد على نوازع التطرف والإرهاب، لا سيما أنه يمثل ضرورةً سياسيةً وقانونيةً ومسؤوليةً فردية وجماعية، الأمر الذي جعله حاضراً في معظم التوصيات، والقرارات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان خلال السنوات الخمسين الماضية.
وفي التطبيق الفعلي لهذه الاستشرافات المأمولة، فقد قدمت دولةُ الإمارات العربية المتحدة العديدَ من المبادرات عميقة الأثر في الطرح النظري والعملي لترسيخ وتثبيت دعائم التسامح، وتقديمه للعالم كثقافة معاشة، وذلك عبر المبادرات الداعمة للقيم الإنسانية عامةً، وقيم التآلف والتسامح خاصةً، ابتداءً باعتماد التسامح كشعار رئيسي في السياسات الداخلية والخارجية للدولة، وصولاً إلى تطبيق التسامح كنهج ثابت وأصيل، لا سيما التسامح الديني الذي تقدم فيه الإمارات أروع الصور وأبهاها من خلال احتضانها ملايين الأفراد من أكثر من مئتي جنسية حول العالم، بعقائدهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم. وفي هذه المناسبة عظيمة الأثر في نفوسنا جميعاً، نثني على النهج الإماراتي المتفوق بإدارته الحكيمة من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، الذي يقود المسيرة نحو العالمية على الصعد الإنسانية والأخلاقية والحضارية قبل أي شيء.. فالإيمان بالمشترك الإنساني عماد هذه السياسة المعطاء في كل مجال من مجالات الخير والإنجاز والتقدم.
إن الإنجازات الإنسانية في سياق التسامح مجتمعةً شكلت سلسلةً محكمةً متناسقةً ومتوافقةً، وتشكل نواةً مشبَّعةً بمعطيات المنهج العقلاني الرصين القادر على استثمار التنوع الذي يصون الهويات ويسمو بها نحو مقامات الوئام والطمأنينة والسكينة.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة