ذكرتْ مجلةُ «الإيكونوميست» البريطانية أن ميليشيات «الحوثي» استغلت العدوانَ على غزة لفرض رسوم على السفن التجارية في البحر الأحمر بغية تحقيق أرباح طائلة من السفن العابرة للمضيق، وأن هذه الميليشيات حققت عائدات تقدر بملياري دولار في عام 2024، وذلك مقابل السماح للسفن بالمرور الآمن عبر باب المندب. وأكدت المجلة أن ميليشيات «الحوثي» مصرة - فيما يبدو - على الاستمرار في إجبار السفن على الدفع حتى بعد وقف إطلاق النار في غزة. وبمعنى آخر فإن «الحوثيين» يحاولون جعل هذه الرسوم أمراً واقعاً على السفن التجارية التي تعبر من خلال باب المندب، وهم يعدّون ذلك مغنماً لا غنى لهم عنه، وإن صرحوا بأنهم سيلتزمون بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس».
وعلى الصعيد الدولي فقد أعربت كل من واشنطن ولندن عن التنديد بأعمال «الحوثيين» في البحر الأحمر، مشيرتين إلى مخاوفهما من تصعيد «حوثي» في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالتهديدات الموجهة ضد الأمن الملاحي والتجارة البحرية الدولية.
وصرّحت الولايات المتحدة بأنها اتخذت خطوات لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، من أجل تقديم الدعم للدول المتأثرة بالاعتداءات البحرية بغية مواجهة التهديدات الحوثية. أما بريطانيا فهي تدعو إلى حل سلمي للصراع في اليمن، وتؤكد على أهمية الحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر. وفي هذا الإطار فثمة توافق في الرؤى بين واشنطن ولندن حول ضرورة التصدي لأعمال «الحوثيين».
والسؤال الآن، في ظل التهدئة القائمة في قطاع غزة، هو: هل سيواصل «الحوثيون» التعرض للسفن التجارية بهدف الحصول على الرسوم التي يحاولون فرضها كأمر واقع، وقد شكلت بالنسبة لهم مورداً كبيراً يجازفون من أجله؟
وبالعودة إلى الخلف، وتحديداً في عام 2015، نتذكر أن كلا من أميركا وبريطانيا تعاملتا مع ميليشيات «الحوثي» الانقلابية، كما لو أنها تمثل نظاماً شرعياً، رغم وجود الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وقد عملت كل من الدولتين، أي أميركا وبريطانيا، على إصدار العديد من القرارات الأممية في مجلس الأمن الدولي للتعامل مع الوضع في اليمن، أبرزها كان القرار رقم 2216 الذي تم تبنيه في أبريل 2015. وقد أقر هذا القرار بعدم شرعية انقلاب الحوثيين، وطالبهم بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، بما في ذلك العاصمة صنعاء. كما دعا إلى استئناف الحوار السياسي بين الأطراف اليمنية، على أساس «المبادرة الخليجية» وقرار مجلس الأمن رقم 2014، إضافة إلى التأكيد على وحدة اليمن واستقلاله وسلامة أراضيه.
وإلى جانب ذلك، كان التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ومشاركة دولة الإمارات التي أدت دوراً رئيسياً، قد ساهم في تحرير مناطق الجنوب، ووصلت قوات الشرعية إلى مشارف ميناء الحُديدة التي تمثل الشريان الرئيس لـ«الحوثيين». في تلك اللحظة الفارقة، تدخلت بريطانيا وضغطت من أجل وقف التقدم لتحرير مدينة الحديدة، كي ينتهي الأمر لصالح ميليشيات «الحوثي»، مما ساعد الميليشيات على استعادة قوتها في وجه قوات الشرعية مدعومةً بقوات التحالف العربي. والنتيجة هي التهديد الذي يشكله «الحوثيون» الآن لحرية الملاحة البحرية الدوية!
والسؤال الذي يحتاج إلى تبيان الآن، في ضوء توجه ترامب إلى تفريغ الساحة في الشرق الأوسط الجديد من الميليشيات المسلحة، هو: هل تعتزم واشنطن إقصاء ميليشيات «الحوثي» من اليمن أم يتم استثناؤها؟!
التفاوض مع «الحوثيين»، ولو بهدف التوصل إلى حل سلمي يضمن استقرار المنطقة، يشبه السيرَ في بيت النمل الذي يصعب فيه الاهتداء إلى مخرج.
*سفير سابق


