في 24 يونيو 2021، انهار مبنى سكني شاهق الارتفاع في سيرفسايد، بولاية فلوريدا الأميركية، مما أسفر عن مقتل 98 ساكناً. وتبين أن السبب هو انهيار لوح خرساني أسفل سطح حوض سباحة. وكشف تحقيق في المأساة أن هناك تحذيرات عديدة سابقة بضرورة إجراء إصلاحات جذرية للبنية التحتية للمبنى. لكن نظراً لتردد الملاك في توفير التمويل، تم تأجيل أعمال الصيانة. وفي أعقاب التحقيق، أصدرت فلوريدا قوانين جديدة تُلزم جميع المباني الشاهقة بإجراء عمليات تفتيش دورية للبنية التحتية، وإلزام مالكي المنازل بتوفير صناديق احتياطية كافية لضمان إجراء أي صيانة مطلوبة في الوقت المناسب. وقد امتدّت عواقب الحادث إلى جميع أنحاء الولايات المتحدة، وفرضت معظم الولايات قوانين أكثر صرامة على مبانيها.

وفي 28 أبريل 2025، تسبّب عطل في الأسلاك النحاسية لأنظمة الاتصالات بمطار فيلادلفيا في انقطاع الرادار والاتصالات لمدة 90 ثانية. وخلال تلك الفترة، لم يتمكن مراقبو الحركة الجوية للرحلات من وإلى مطار نيوارك، من التواصل مع عشرات الطائرات التي كانت تستعد للإقلاع أو الهبوط. وأثارت تلك اللحظات الرعبَ بين المراقبين، لدرجة أن بعضهم اضطر لأخذ «إجازة صدمة» للتعافي من ضغوط الحادث. وقررت العديد من شركات الطيران عدم استخدام مطار نيوارك حتى يتم تحسين البنية التحتية.

وجاءت تلك الأزمة في وقت شهدت فيه البلاد العديد من الحوادث في المطارات، من بينها اصطدام مروحية عسكرية بطائرة ركاب فوق مطار ريغان في واشنطن، يوم 29 يناير الماضي، مما أسفر عن مقتل 67 شخصاً. وتسلّط تلك الحادثتان الضوءَ على المشاكل المُنتشرة في جميع أنحاء البلاد، والتي يُمكن إرجاعها جميعها إلى إخفاق الإدارات المتعاقبة في توفير الأموال اللازمة لإصلاح الجسور والسكك الحديدية والطرق والموانئ وشبكات الكهرباء وأنظمة المياه العذبة القديمة، بما في ذلك أنظمة الأنابيب ومرافق الصرف الصحي وأنظمة مراقبة الحركة الجوية.ولا تُعد تكاليف إصلاح هذه الأنظمة باهظة فحسب، بل إنها تُنافس متطلبات أخرى على الميزانيات الفيدرالية وميزانيات الولايات، في وقت تسعى فيه الإدارة الحالية إلى اقتطاع مليارات الدولارات من البرامج الفيدرالية لتغطية نفقات زيادة الإنفاق على الدفاع والضمان الاجتماعي، وتقديم تخفيضات ضريبية للشركات.

وتفاقمت تلك التحديات عندما بدأت أزمة الرسوم الجمركية الحالية تؤثر على الاقتصاد الأميركي. وفي خطاب وداعه للمساهمين، يوم 3 مايو الجاري، حذّر وارن بافيت، المؤسس الشهير لشركة «بيركشاير هاثاواي»، من أن استخدام الرسوم الجمركية كان «خطأ فادحاً»، وأنه لا ينبغي استخدام التجارة كسلاح. ورغم أنه لم يذكر ترامب بالاسم، فإنه شدّد على أن الرسوم الجمركية تُمثّل ضريبة على المستهلكين الأميركيين، وسيكون لها تأثير ضار على الاقتصاد الأميركي. وقد غيّرت الرسوم الجمركية مسار التدفقات التجارية بين الولايات المتحدة وبقية العالم بشكل جذري، فالانخفاض الحاد في شحنات الحاويات القادمة من الصين إلى موانئ لوس أنجلوس، يعني أن الاقتصاد المحلي يشعر بآثار التباطؤ. كما أن آلاف الشركات الصغيرة التي تعتمد على التجارة مع الصين في بقائها لا تستطيع تحمل الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية البالغة 145%.

وتأتي 80% من الألعاب التي يشتريها الأميركيون في العطلات، لاسيما عيد الميلاد، من الصين. كذلك تعاني الشركات الأميركية التي تُصدر منتجاتها إلى الصين، خاصة المنتجات الزراعية والمنتجات التكنولوجية المتقدمة. وفي وقت لاحق من موسم الصيف، ستنعكس هذه التكاليف في ارتفاع الأسعار، وحالات الإفلاس، والبطالة، واحتمال حدوث ركود اقتصادي. وحتى لو أبرمت الولايات المتحدة في نهاية المطاف صفقات مع شركائها التجاريين لتُخفّض الرسوم الجمركية، فإن الاضطرابات في سلاسل التوريد ستستغرق أشهر عديدة حتى تنتهي آثاره. والأخطر من ذلك هو فقدان الثقة في الولايات المتحدة كشريك تجاري، الأمر الذي سيقلّل من حوافز الشركات الأجنبية للاستثمار فيها، لاسيما إذا وجدت تلك الشركات شركاء آخرين أكثر موثوقية للتعامل معهم.

*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن