لم تكن «قمة حوكمة التقنيات الناشئة» التي عُقدت هذا الأسبوع في أبوظبي برعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، مجرد مؤتمر تقني فحسب، بل محطة فارقة في الحوار العالمي بشأن مستقبل البشرية والتكنولوجيا.وقد أتى انعقاد هذه القمة التي نظمها مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، بالشراكة الاستراتيجية مع النيابة العامة الاتحادية، في لحظة يمر فيها العالم بتسارع تكنولوجي غير مسبوق، ومحاولات دول فرض تصوراتها الأحادية ومعاييرها الخاصة على العصر الرقمي. وإذ نقف اليوم على أعتاب تحولات جذرية مع التكنولوجيا، خاصة في موضوعات الذكاء الاصطناعي، فإن أيّاً من التقنيات المغيِّرة قد يخرج عن نطاق التحكُّم ما لم تتكتل الجهود، وبصورة تشاركية نحو حوكمتها.

وبالتالي، مثَّلت هذه القمة في جوهرها خطوة متقدمة من دولة الإمارات العربية المتحدة لتوجيه الدفة نحو تمكين التوافق العالمي بشأن أطر الحوكمة اللازم وجودها لضمان فوائد التكنولوجيات الناشئة، وتجنُّب تداعياتها السلبية المحتملة. ويعكس تركيز القمة على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية الحقوق الرقمية، وحوكمة البيانات العابرة للحدود، ومرونة الأمن السيبراني، وغيرها من الموضوعات المؤثرة، إدراكاً من القائمين عليها لأهمية هذه القضايا؛ على اعتبارها تتشابك وبعمق مع مفاهيم السيادة الرقمية، والاستقرار الاقتصادي، وحقوق الإنسان. وهنا كان هدف القمة يتجسد في تعزيز أنظمة الحوكمة ذات الشفافية العالية والخاضعة للمساءلة دوليّاً؛ ما يمثل محاولة طموحة لوضع أسس تشاركية قوية لمعايير التكنولوجيات الناشئة، وتأطيرها بصورة تسمح لمختلف دول العالم بجني فوائدها، وتجنُّب مخاطرها في العقود المقبلة.

وفي استعراض لفعاليات القمة، فقد شمل جدول أعمالها أكثر من 18 جلسة متخصصة، جاءت جميعها لتحقيق التوازن ما بين الأطر الحاكمة للتكنولوجيات الناشئة من جهة، وبين استمرار الابتكار فيها دون إعاقته من جهة أخرى. ويُحسب للقمة أنها تضمَّنت بعض الموضوعات التي تعدُّ على قدر عالٍ من الأهمية لمستقبل الاقتصاد العالمي ونظمه المالية؛ ولا شك أن مناقشة موضوعات مثل أمن ما بعد الكم، وأساليب التشفير من الجيل التالي، مثَّلت وعياً متقدِّماً بالتهديدات المستقبلية المحتملة التي قد يأتي بها عصر الحوسبة الكمية، والتي يمكن أن تجعل الأساليب الأمنية الحالية في تشفير البيانات عديمة الجدوى؛ وهو نهج استشرافي يُسجَّل بامتياز لدولة الإمارات في هذا الطرح المرتبط بإحدى أهم التكنولوجيات التي ستغيِّر ملامح المستقبل عند قدومها.

ومن بين أبرز ما تناولته النقاشات في القمة أيضاً موضوع المساواة اللغوية في الذكاء الاصطناعي، بهدف تصوُّر أطر حوكمةٍ عادلة تضمن ألا يؤدي تطوير الذكاء الاصطناعي إلى إدامة التحيزات القائمة حاليّاً، ومحاولة منع توسُّعها في استبعاد شرائح أوسع من سكان العالم بسبب لغتها الأم، والتي قد لا تدعمها حلول الذكاء الاصطناعي، كما هي الحال مع اللغة الإنجليزية؛ وهذا احتمال سيدفع، إن تحقق، إلى زيادة الفجوة الرقمية بين الشعوب في الحلول الذكية، وبما يمكن أن يرتبط مستقبلاً بأبعاد جيو-سياسية وربما بتوترات دولية. وهذه النقطة الأخيرة تحديداً تسلِّط الضوء على ما حملته القمة من رسالة إنسانية، ودعوتها من دولة الإمارات إلى نظام بيئي عالمي أكثر شمولاً للحلول الذكية؛ وبما يسمح في محصلته بالتعاون في بناء مستقبل رقمي ضمن أطر حوكمة تضمن استفادة البشرية بأسرها من الذكاء الاصطناعي. ولعل حضور أكثر من 1000 مشارك هذه القمة، ومن نحو 20 دولة، ووجود شركات بأهمية «مايكروسوفت» الأميركية، و«هواوي» الصينية، يعكس الثقة الدولية الكبيرة في دولة الإمارات، واعتبارها البيئة العالمية الأكثر ملاءمة لتشكيل ملامح المستقبل الرقمي وتكنولوجياته المغيِّرة، بصورة مسؤولة وآمنة.

وفي الختام، يمكن اعتبار هذه القمة بمثابة إعلان لتقديم أبوظبي نفسها مركزاً عالمياً لحوارات الحوكمة للتقنيات الناشئة، وقيادة العمل الدولي الذي يسمح للأطراف الفاعلة، من صناع السياسات والخبراء والشركات العملاقة، بالتعاون في صياغة الأطر المنظِّمة للتكنولوجيات، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والتكنولوجيا الحيوية، وغيرها.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.