بحلول الوقت الذي كتب فيه هيرمان ملفيل رواية «موبي ديك» عام 1851، كانت نيو إنجلاند اشتهرت بالفعل بصناعة صيد الحيتان - حيث تم اصطياد الحوت من نوع «الصائب» في شمال الأطلسي حتى أوشك على الانقراض، ما جعل البعض يطلق على جزيرة نانتوكيت الصغيرة قبالة سواحل ماساتشوستس لقب «عاصمة صيد الحيتان في العالم».
اليوم، أصبحت هذه الحيتان التي كانت تُستهدف في الماضي، هدفاً ثميناً لحملات الحفاظ عليها، بينما تتصدر نيو إنجلاند الجهود الرامية لإعادتها من حافة الانقراض. وهناك عنصر محوري ناشئ لبقائها، يتجسد في شبكة صغيرة لكنها فعالة من أجهزة الإشارة الساحلية. (أجهزة الإشارة الساحلية هي أجهزة تُستخدم لإبلاغ الآخرين، مثل رجال الإنقاذ أو السفن الأخرى، بوجود حالة طوارئ).
 تُعد حيتان شمال الأطلسي «الصائبة» من أكثر أنواع الحيتان الكبيرة المهددة بالانقراض في العالم، إذ لم يتبقَّ منها سوى حوالي 370 حوتاً. وعلى الرغم من أن صيد الحيتان قد تم حظره تقريباً في جميع أنحاء العالم منذ عام 1986، إلا أن أعدادها لم تتعافَ بعد. فقد وُلد هذا العام 11 حوتاً جديداً فقط، وهو عدد أقل بكثير من الـ 50 حوتاً المطلوبة سنوياً للحفاظ على استقرار أعدادها. وتشير بعض النماذج إلى احتمال انقراضها بحلول عام 2035.

تواجه الحيتان خطر الاصطدام بالقوارب المارة أو التعلق بأدوات الصيد أثناء هجرتها السنوية من مناطق التوالد بالقرب من فلوريدا إلى مناطق التغذية قرب نيو إنجلاند، ما قد يتسبب في إصابتها أو حتى قتلها. لكن الآن، يعمل الجميع، من الصيادين وعلماء البيئة البحرية إلى الشركات البحرية وسكان السواحل- حتى في نانتوكيت- على استخدام التكنولوجيا للمساعدة في إيقاف تدهور الحيتان. هذا التعاون والتقدم التكنولوجي يبث الأمل ببطء في إمكانية بقاء الحيتان الصائبة. يحاول البحارة بالفعل تجنب الحيتان لحماية هذه الحيوانات وسفنهم، لكنهم لا يعلمون دائماً بوجودها.

عندما يتم رصد حوت، تنشئ الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي منطقة إبطاء سرعة، يُطلب فيها من البحارة خفض سرعتهم إلى 10 عقد (11.5 ميل في الساعة) أو أقل، لتقليل احتمالية الاصطدام بالحوت وخطر إصابته بجروح قاتلة. هذه المناطق تختلف عن المناطق الإدارية الموسمية، التي تفرض حدود سرعة إلزامية. يتم تنبيه القوارب عبر البريد الإلكتروني والرسائل النصية، وتطبيق يُدعى «WhaleAlert» يعمل كقاعدة بيانات لرصد الحيتان ومناطق الإبطاء، كما يقول «جريج رايلي»، المسؤول عن الحملات البحرية في الصندوق الدولي للرفق بالحيوان. ومع ذلك، يحتاج كلا النظامين إلى اتصال بـ«الإنترنت»، وهو أمر غير مطلوب للقوارب وغالباً ما يكون غير متوافر في عرض البحر. وهنا يأتي دور «موزيس كالورو»، الرئيس التنفيذي لشركة نظم المعلومات البحرية. خلال العامين الماضيين، تعاون «كالورو» مع شركات، ومنظمات غير ربحية، ومدن ساحلية، لتركيب أجهزة تُدعى «StationKeepers» (حراس المحطة) على طول الساحل الأطلسي بأكمله. هذه الصناديق الصغيرة التي تزن 20 رطلاً توضع في أماكن مرتفعة على المباني والمنارات الساحلية.

ومن خلال منظومة التعريف الآلي للسفن (AIS)، ترسل هذه الأجهزة مواقع الحيتان ومناطق الإبطاء مباشرة إلى شاشات الملاحة في السفن. ركز برنامج كالورو التجريبي لعام 2024 على محمية «ستيلواجن بانك» الوطنية البحرية، وهي هضبة تحت الماء ومنطقة تغذية للحيتان الصائبة قبالة ساحل كيب كود. عند دخولها، خفض أكثر من 85% من السفن سرعتهم، مع قيام 10% إضافية بذلك بعد تلقي رسالة تحذير تلقائية. يقول «بيت ديكولا»، المشرف على المحمية، إن نظام StationKeepers، إلى جانب جهود أخرى لحماية الحيتان الصائبة، قلل من خطر اصطدام السفن بالحيتان بنسبة تزيد على 80%. في عام 2010، أنشأ باحثو الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، وهي هيئة حكومية أمريكية في المحمية برنامجاً بالتعاون مع هيئة ميناء ماساتشوستس والصندوق الدولي للرفق بالحيوان، يعمل على تقييم التزام القوارب والشركات بالقواعد. وفي العام الماضي، خفضت 91% من أصل 104 شركات و332 سفينة سرعتها بالشكل المطلوب.

أما السفن التي لم تُبطئ، فكانت في الغالب جديدة في المنطقة، ويبدو أنها غير مدركة لحدود السرعة. وهذه الفجوة في المعرفة تمثل تحدياً آخر يسعى نظام «كالورو» لحله. كما انضمت شركات تصنيع الإلكترونيات البحرية إلى هذا الجهد. على سبيل المثال، تعمل شركة «جارمن»، المعروفة بتقنيات GPS المبتكرة، على دمج رسائل AIS والبيانات الملاحية الإلكترونية في منتجاتها، مما يوسع نطاق وصول StationKeepers إلى القوارب الترفيهية. لكن ربما يكون أكبر تهديد للحيتان «الصائبة» هو التشابك في معدات الصيد، خصوصاً الحبال الطافية.

حتى وإن نجا الحوت، فإن الضرر والتوتر الناتج عن التشبك يؤثران على قدرته على الإنجاب، كما تقول «كورتني رايش»، مديرة السواحل في منظمة جورجيا للحفاظ على البيئة. يمكن للتقدم التكنولوجي أن يقلل من الحاجة إلى الحبال الطافية. عمل «مايك لين»، صياد لوبستر من كوهيسيت، ماساتشوستس، مع شركة «إدج تيك» المتخصصة في تقنيات الصيد لتطوير نماذج أولية لمعدات صيد من دون حبال. يقول لين إن هذه المعدات ليست مثالية، لكنها تتيح لصيادي اللوبستر العمل خلال الأشهر التي تغلق فيها المصائد بسبب مرور الحيتان. هذا العمل الإضافي يساعد الصيادين مالياً، ويساعدهم على التأكد من أن معداتهم لا تُؤذي الحيتان.

تأتي هذه الموجة من التكنولوجيا والتعاون في وقت حاسم. فبالرغم من أن موسم التوالد هذا العام كان ضعيفاً، إلا أن ظهور أربع أمَّات لأول مرة هو مؤشر إيجابي. مشروع StationKeeper لا يزال قيد التطوير. يخطط «كالورو» ومحمية ستيلواجن البحرية لاستخدام الشبكة لإنشاء «أسوار جغرافية» - وهي حدود افتراضية ترسل تنبيها عند دخول جهاز متحرك أو خروجه من منطقة معينة. من خلال وضع هذه الحدود حول معدات الصيد من دون حبال، يمكنهم إرسال بيانات الطقس والتنبيهات الطارئة في الوقت الفعلي إلى البحارة، وهو تحدٍّ لوجستي دائم.

*صحفي متخصص في قضايا التكنولوجيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»