في السنوات الأخيرة استطاعت قيادتنا الحكيمة أن تصنع تحولاً حضارياً غير مسبوق في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أصبحت واحدة من أكثر دول العالم تسارعاً في التحولات الحضرية.

هذا التحضر السريع أثر بعمق في الحياة الاجتماعية للمواطنين والمقيمين على حد سواء. التحضر السريع لا يكون مجرد تطور عمراني في الأبنية والبنى التحتية واستخدام التكنولوجيا والعلوم بصورة متداخلة في مفردات الحياة اليومية للإنسان، بل هو أيضاً يشمل تحولات ثقافية واجتماعية تدفع المجتمع إلى الحركة المستمرة من أجل التكيف والمواءمة مع هذا التسارع، والتحولات الاقتصادية، والسياسية، والتكنولوجية، ما أدى إلى ظهور العديد من التغيرات في مفردات الحياة والعلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع داخل الأسرة الواحدة، وداخل المجتمع كوحدة واحدة.
انعكس التحضر السريع على جوانب عديدة، فقد أصبحت الحياة تعتمد إلى حد بعيد على التكنولوجيا، وزادت معدلات الرفاهية، وأيضاً أدى ذلك التحضر السريع إلى تحولات في طبيعة العمل، وشهد ذلك صعوداً للأعمال التي ترتبط بالمجال التكنولوجي، ما ساهم في نمو الدخل، ومعه ظهر الاحتياج إلى تغير في أنماط الترفيه، لتتناسب مع طبيعة هذه التحولات، وقد شهدت دولة الإمارات في السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في طبيعة ونوعية أدوات الترفيه المتاحة للأفراد والعائلات.
أما عن العلاقات الأسرية، فقد شهدت مع هذا التحضر السريع تحولات لا بد أن نقف عندها، فمع اتساع المدن وتزايد النشاط الاقتصادي زادت ساعات العمل. ومع سيطرة التكنولوجيا وأدواتها كالهاتف المحمول، صارت وسائل إشغال أوقات الفراغ تعمل في محيط من العزلة الفردية، فأدى ذلك إلى حدوث تغير في طبيعة الروابط الأسرية من حيث النوع والكم؛ مما كان له انعكاس واضح على العلاقات الإنسانية والتفاهم بين أفراد الأسرة الواحدة، وانعكس على تربية الأبناء وتنميتهم الروحية والعاطفية. ورغم ذلك أشير إلى أنه ما زالت العائلة الإماراتية تحافظ على قيمها الموروثة، وهذا يضع الأجيال الجديدة تحت ضغط الصراعات الداخلية ما بين الاستجابة للحياة المعاصرة المتسارعة وبين التمسك بالقيم التقليدية.
من ناحية أخرى، سنجد أن التحضر السريع أدى إلى تصاعد النزعة الفردية والاهتمام بالنجاحات الشخصية، حتى لو جاء ذلك على حساب التضامن الاجتماعي والأسري ذلك نتيجة شعور الشباب بالاستقلالية، وهذا مؤثر آخر على الروابط الأسرية والعائلية داخل المجتمع.
وفي ظل هذا التسارع والتحولات، نحن بحاجة إلى الاستدامة المجتمعية ليس فقط على مستوى العمران والبنى التحتية، بل أيضاً إلى استدامة الحفاظ على الروابط الأسرية وتوازن الحياة والتماسك المجتمعي من أجل تحقيق أعلى معدلات الأمن الاجتماعي، ولا نغفل هنا أن هذا التحضر المتسارع جعل الإمارات دولة جاذبة للاستثمار والعمل.
التحضر السريع يترك بصمته الإيجابية الواضحة على البنية التحتية والنمو الاقتصادي للدولة، وأيضاً يترك بصمته على البنية المجتمعية والتحدي الأكبر أمام دولة الإمارات العربية المتحدة هو إدارة هذه التحولات المجتمعية بصورة تضمن الحفاظ على القيم الموروثة وتماسك الأسرة. 
إن إدراك التوازن ما بين النمو الحضاري والجذور الثقافية هو تحدينا الأكبر في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات القادمة، والذي من خلاله أثق أننا كقيادة ومجتمع سنقدم للعالم نموذجاً غير مسبوق في تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.

*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.