قدمت جامعة واشنطن بالتعاون مع جامعة كارنيجي واحداً من أهم الأخبار العلمية في القرن الحادي والعشرين. ففي عام 2025، ولأول مرة، تمكن ثلاثة أفراد من التواصل بينهم عبْر إشارات الدماغ فقط، ودون استخدام أي حواس. حيث تمكن ثلاثتُهم مِن اتخاذ قرارات جماعية باستخدام نشاطهم العصبي فقط، في عملية معقدة للغاية، نجحت بنسبة 81%.
إنّهُ التخاطر عن بعد إذن، لكنه ليس ذلك المعتاد في العلوم الزائفة، بل هو نتاج ذلك المشروع العلمي الضخم الذي أطلقه الرئيس باراك أوباما قبل سنوات. اعتبر العلماءُ الذين أشرفوا على تجربة 2025 أننا إزاء شبكة اجتماعية.. «برين نت- Brain Net» أو «إنترنت العقول».. إنه التخاطر العلمي وليس التخاطر اللاعلمي.
 وفي أبريل عام 2013، أطلق الرئيس الأميركي باراك أوباما «مبادرة الدماغ». وهي مشروع كبير يستهدف بناء خرائط ذهنية للمخ، فبعد أن تمكّن العلم من اكتشاف خريطة الحمض النووي في مشروع الجينوم، يمكن له مجدداً أن يخترق مجالاً معقداً آخر، ويسبر أغوار المخ.
 خصص الرئيس أوباما 100 مليون دولار لدعم أبحاث مبادرة الدماغ، وقارنه بمشروع الجينوم، فقال مفاخراً: إن كل (1) دولار أنفقناه في مشروع الجينوم حصلنا مقابله على (140) دولاراً.
 ويشكّل تمويل مبادرة الدماغ جزءاً من استثمار أكبر في علم الأعصاب تقوم عليه المعاهد الوطنية للصحة في أميركا. وقد عمل الباحثون في المبادرة على مدى أكثر من عشر سنوات على رسم صورة ديناميكية للدماغ، وفهم خوارزمياته، ومعرفة كيف يعمل الجهاز العصبي في الصحة والمرض.
 يقول العلماء: إن كل دماغ بشري يتكوّن من شبكة عملاقة من مليارات الخلايا العصبية، والتواصل بين هذه الشبكات هو أساس الوعى والإدراك والشعور والفكر والسلوك.
 وفي عام 2024، جرى تعاون كبير بين جامعة هارفارد وشركة جوجل، وتم نشر دراسة مشتركة في مجلة «الساينس». وضمّت الدراسةُ الخريطةَ الأكثر تفصيلاً لعيِّنة من دماغ بشري. وبدتْ الصور التي نشرها موقع CNN، نقلاً عن الدراسة، أشبه بلوحات أسطورية، تضمّ تشابكات بالغة التعقيد يقف الإنسان أمامها في ذهول تام. وحسب البروفيسور «حيف ليشتمان»، الأستاذ بجامعة هارفارد، فإنّ عينة من الدماغ أصغر من حبة أرز، قد احتوى الميلمتر المكعب منها على (60) ألف خلية و(230) ميلمتر من الأوعية الدموية و(150) مليون من نقاط الاشتباك العصبي. وتم استخراج (1400) تيرابايت من البيانات من هذه العينات تعادل أكثر من مليار كتاب!
 وحسب الباحثين المشاركين في الدراسة، فإن هذه الخريطة هي الأكثر تفصيلاً لعيّنة من دماغ بشري تم إنشاؤها على الإطلاق. وقد جاءت أخبار النجاح في ذلك التخاطر عن بعد في تجربة جامعتيْ واشنطن وكارنيجي، عبْر استخدام تقنيات مثل ارتداء خوذات رأس مزودة بأقطاب كهربائية حساسة للموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من الدماغ.. لتشكّل جميعُها خطواتٍ كبرى نحو فهم جوانب من ذلك الكوْن المصغر، أي المخ البشري.
 لقد سبق أن حاولَ الاتحاد السوفييتي وعلماء ألمانيا النازية الوصولَ إلى ما هو أبعد من ذلك، واكتفى آخرون بالارتكان إلى العلوم الزائفة وإقناع الناس بالتخاطر أو «التليباثي» لمجرد وقوع مصادفات أو استثناءات عارضة. وامتلأت وسائل التواصل بأحاديث خرافية تدعو لإغماض العينين وتخيّل الشخص الآخر، ثم التواصل معه عبر التخاطر!
 لكننا اليوم إزاء احتمالات الانتقال في هذا الصدد من العلوم الزائفة إلى العلوم الحقيقية، من الخيال النفسي إلى الأبحاث العلمية.
 إن مثل هذه الأبحاث سوف تدفع إلى مكافحة الكثير من أمراض الدماغ، وعلى رأسها الزهايمر. كما يمكنها تحسين الإدراك والحدّ من مخاطر الأمراض العصبية. لكنها بالقدر نفسه تمثل خطراً على الإنسان والمستقبل في حال استخدامها في الحروب، والعبث بالإدراك، واستهداف المخ البشري بما يدمره أو يعطله.. دون أي اعتبارات لأخلاقيات الأعصاب، والمعايير القيميّة للبحث العلمي.
 إن خبرة الإنسانية ليست جيدة في كل الخطوات العلمية الكبرى السابقة، فقد انتهت علوم الذرة إلى القنبلة النووية، وعلوم الطب والأحياء إلى الحروب البيولوجية، واليوم قد تنتهي مبادرة الدماغ إلى تحسين حياة الإنسان، بيولوجياً وعقلياً، وقد تنتهي إلى حرب بيولوجية جديدة.. يكون الدماغ هو الهدف الأول لها.. وهنا يبدأ خريف العالم.


*كاتب مصري