تصنِّف هيئة الصحة العامة في الولايات المتحدة الوحدة والعزلة خطراً صحياً مميتاً، والذي يتمثل في نقص الاتصال الاجتماعي، حيث يُرفع خطر الوفاة المبكرة إلى مستوى يقارب القيام بتدخين 15 سيجارة يومياً، وترتبط الوحدة والعزلة بزيادة خطر الوفاة المبكرة بنسبة 26% و29% على التوالي، وبزيادة خطر أمراض القلب والسكتة الدماغية بنسبة 29% و32%، هذه ليست استعارات بل نتائج مدعومة بتحاليل طويلة نقلها تقرير الجراح العام الأميركي عام 2023.
الأشد فداحةً أن الوحدة تتحول من شعور عابر إلى حالة مزمنة، تترجم إلى أذى بيولوجي قابل للقياس، وهناك دراسة بقيادة «كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد» على أكثر من 12 ألف شخص فوق الخمسين عاماً، وجدت أن المعرّضين للشعور بالوحدة بصورة متكررة يواجهون زيادة قدرها 56% في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية مقارنةً بغيرهم، حتى بعد ضبط عوامل العزلة والاكتئاب.
كما يقضي المستخدم البالغ في المتوسط 6 ساعات و38 دقيقة يومياً على الإنترنت، منها نحو ساعتين و21 دقيقة على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو رقم كفيل بإزاحة ساعات الحوار واللعب والعمل التطوعي وكل ما يغذّي-إنْ صح التعبير- «عضلة التعاطف»، وفي المقابل تُظهر قياسات المشاعر العالمية أن الوحدة أصبحت تجربة يومية واسعة الانتشار، ففي تقرير«مؤسسة غالوب» ذكر 23% من البالغين عالمياً إنهم شعروا بالوحدة «كثيراً» خلال اليوم السابق، هذا ليس اقتصاد عرضٍ وطلبٍ بين فردٍ وآخر، إنه ركود اجتماعي يطحن المزاج الجمعي ويعيد تشكيل السياسة والمجتمع. ويعرّف التعاطف بأنه عصب الإنسانية، وفي دراسة قامت بها جامعة ميشيغان الأميركية على 14 ألف طالب وطالبة لثلاثة عقود كانت النتيجة صادمة، وهي أن طلاب اليوم أقل تعاطفاً بنحو 40% مقارنةً بجيل الثمانينات والتسعينات، وهذه ليست ظاهرة أميركية بحتة بقدر ما هي إشارة إلى أثر ثقافة السرعة والشاشات على حسّ المشاركة الوجدانية.
ما الجديد إذاً في هذا التشخيص؟ الجديد أن الظواهر المتناثرة مثل وحدة قاتلة، شاشة تلتهم اليوم، ثقة متآكلة، وتعاطف منكمش تتراص مجتمعةً على محورٍ تاريخي واحد أسميه «الهجرة إلى الإنسان»: هجرة من إنسانٍ اجتماعي دافئ إلى «إنسان كهفٍ رقمي» يعيش في بيئات خوارزمية مصممة لمكافأة الانفعال السريع وإفقار المضمون والمعنى.
ولقياس هذه الهجرة أدعو إلى مؤشر الهجرة للإنسانية (HMI) ليقيس أربعة أبعاد قابلة للرصد دورياً: (1) زمن ونوع التفاعل الحضوري المباشر للفرد مقارنةً مع الافتراضي، (2) مؤشرات الثقة المدنية (الثقة في المؤسسات وفي بعصنا البعض)، (3) مقاييس التعاطف المعتمدة نفسياً مثل مقياس ديفيس للتعاطف (Interpersonal Reactivity Index - IRI)، وذلك لقياس القدرة الوجدانية والمعرفية على فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، (4) أعباء الوحدة والعزلة على الصحة العامة والاقتصاد، وارتفاع المؤشر يعني الاقتراب من انقراض اجتماعي بارد حتى لو بدت الرفاهية المادية في تحسن.
بحلول 2050 وفق المنحنى الحالي قد تصبح الوحدة أحد أكبر خمسة أسباب للوفاة المبكرة عالمياً، وسترتفع كُلفة الرعاية الصحية لعلاج آثار الوحدة بنسبة قد تتجاوز 30% في العقود المقبلة، ولعكس المنحنى لا بد من بنية تحتية ومدن ومعايير ترفيه وتسوق، وتواصل مباشر وعمل، ودراسة تخصيص وقت غير مرقمن للأفراد، ودمج آليات ومفاهيم وممارسات التعاطف في المناهج التعليمية، وأطر تنظيمية لمنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية المخدرة لمنع الفرد من الاستمرار عندما يصل لعدد ساعات حرجة، وخاصةً لصغار السن من الأطفال والمراهقين، وبرامج صحة نفسية تعتبر الوحدة مسببةً للأمراض الخطيرة ولا تقل خطراً عن التدخين.
إنقاذ الإنسان اليوم لا يقتضي قفزةً تقنيةً جديدة، بل عودةً مقصودة إلى الإنسان نفسه، قبل أن يغلق علينا الكهف الرقمي بابه ونجبر على التطبيع مع العزلة.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


