في تطور تاريخي يعكس تحول المزاج السياسي الدولي تجاه القضية الفلسطينية شهدت دورة الانعقاد الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة اعترافات رسمية من دول كبرى، مثل بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال بدولة فلسطين.
وتجاوز عدد الدول المعترفة بفلسطين 150 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة. لقد استوفت فلسطين جميع الشروط القانونية والسياسية لتكون دولة، وتتمتع بصفة «دولة مراقبة دائمة» في الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ نوفمبر 2012 بعد تصويت 138 دولة لصالح القرار مقابل اعتراض 9 وامتناع 41. ويتمتع وفد يمثل دولة فلسطين رسمياً بصفة مراقب دائم، لكن ليس له حق التصويت في الأمم المتحدة.
هذا الاعتراف الأممي عزز مكانة فلسطين في المنظمات الدولية، مثل اليونسكو والمحكمة الجنائية الدولية. ولكن تتطلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة موافقة مجلس الأمن، فرغم هذا الإنجاز ظل الاعتراف الكامل بعضوية فلسطين كعضو كامل رهينة باستخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن لمنع العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة.
تعكس الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية اقتناع المجتمع الدولي بما فيها شعوب هذه الدول بعدالة القضية الفلسطينية، حيث أثارت الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، بما فيها صور المجاعة المتفاقمة في غزة موجات غضب واسعة في العالم، وخاصة الدول الأوروبية، فحملت الرايات الفلسطينية في تظاهرات مستمرة ضد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي من عدوان وتهجير وتجويع وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في غزة والضفة الغربية ومطالبات بمقاطعة المنتجات الواردة من الأراضي المحتلة والشركات الداعمة لإسرائيل. وكان للرفض الشعبي انعكاس على الأحزاب السياسية في هذه الدول التي تبنت المزاج السياسي العام المناوئ لإسرائيل وترجمته بالحد الأدنى وهو الاعتراف بالدولة الفلسطينية. الاعتراف الدولي المتزايد بفلسطين كدولة مستقلة يأتي تأكيداً على الدعم الدولي لـ«حل الدولتين» في ظل ارتفاع المخاوف الدولية من سعي إسرائيل إلى ضم الضفة الغربية وإفراغ غزة من سكانها ودفعهم باتجاه الحدود للأردن أو لمصر، مما سيؤدي إلى تدمير فكرة وجود أرض تقام عليها الدولة الفلسطينية.
ويظل للاعتراف البريطاني بدولة فلسطين أهمية معنوية، فلا ننسى أن بريطانيا هي الدولة التي أشعلت فتيل الصراع منذ أكثر من قرن بإصدار وزير خارجيتها آرثر بلفور لوعد بلفور الشهير عام 1917. وحين أعلنت بريطانيا عزمها الاعتراف بفلسطين طلبت إسرائيل من بريطانيا عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية حيث اشترطت بريطانيا وقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء الحرب الإسرائيلية، والالتزام بمفاوضات بشأن حل الدولتين، وهو ما رفضته تل أبيب. وتقول بريطانيا، إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية «يهدف إلى الضغط على إسرائيل لإنهاء حربها على غزة والحد من بناء مستوطنات يهودية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، وإعادة الالتزام بعملية سلام مع الفلسطينيين». لقد عرّت الحرب في غزة السردية الصهيونية فالاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية ليست مجرد خطوة رمزية عابرة، بل هي تأكيد على حقيقة راسخة عمل الاحتلال الإسرائيلي المستمر على محوها بأن فلسطين دولة، لها أرض وتاريخ وشعب وهوية تمتد لقرون.
ورغم الاحتلال ومحاولة محو الهوية الفلسطينية، فإن الاعترافات الدولية المتتالية تكرس الحقوق الفلسطينية وفي مقدمتها الحق الثابت في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وأن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، أراض فلسطينية، وأن للشعب الفلسطيني حق أصيل في تقرير مصيره على أرضه، وأن القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية.
*كاتبة إماراتية.


