لم يتردد الفرنسيون يوماً في الاحتفاء بحياة شارل ديجول: فالمطار الرئيسي في باريس، وحاملة طائرات، ومحطة مترو، و3600 شارع تحمل جميعها اسم هذا الرجل العظيم. ومع ذلك أظن أن هناك المزيد في الطريق. امتد الإعجاب بديجول من الأحزاب الديجولية التقليدية إلى كل من اليمين المتشدد والوسط الجديد. ففي حفل تنصيبه، ظهر إيمانويل ماكرون وهو يضع نسخة من مذكرات ديجول الحربية مفتوحة على مكتبه، وحاول مراراً وتكراراً تقليد «أسلوبه القيادي العظيم».
أما مارين لوبان، فقد تخطت موقف حزبها المعادي لديجول، وبدأت تتبنى نهجاً ديجولياً تجاه الاتحاد الأوروبي، معززة دور الدولة الوطنية دون إضعاف الاتحاد الأوروبي.هذا الإعجاب والتأثير ينتشر أيضاً خارج فرنسا. يقول فلاديمير بوتين إن لديه في مكتبه ثلاث صور: بطرس الأكبر، والشاعر الروسي الكبير «ألكسندر بوشكين»، والصورة الوحيدة لشخصية غير روسية هي صورة ديجول. وعند فوزه بالانتخابات المجرية في 2010، أعلن «فيكتور أوربان» أن الجنرال الفرنسي قدوته، ووصف مهمته بأنها «الارتقاء بروح الوطنية».
أما مؤيدو بريكست البريطانيون فقد صنعوا من الجنرال رمزاً لهم. ومن أبلغ عبارات الإعجاب تلك التي جاءت من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي ردّ على سؤال صحيفة بوليتيكو حول الشخصية التاريخية التي يستلهم منها قائلاً: «ديجول»، مشيراً إلى براعته في استعادة ثقة بلاده بنفسها وقدرته على تطوير دور جيوسياسي مستقل.
يكمن سر تأثير ديجول في أنه وضع أسس السياسة الحديثة للارتقاء الوطني. كان ديجول، الذي قاد حركة المقاومة الفرنسية الحرة خلال الحرب العالمية الثانية وترأس فرنسا من عام 1959 إلى 1968، يعتقد أن بعض الدول، ومنها فرنسا، إما أن تكون عظيمة أو لا شيء. فالعظمة، في رأيه، مرتبطة بالإرادة أكثر من أي شيء آخر، والضعف هو اختيار وليس مصيراً محتوماً. كان شغوفاً بحماية فرنسا من الانحدار، لدرجة أنه قام بإصلاح النظام الدستوري، موسعاً صلاحيات الرئاسة. كانت فرنسا في حالة يرثى لها عندما فر ديجول إلى بريطانيا في يونيو 1940، بعد أن دمرها الجيش الألماني.
لكن ديجول وحده حافظ على فكرة عظمة فرنسا. كان يصر على الرغم من كل الأدلة، على أن فرنسا لم تستسلم أبداً، وأن القوات الفرنسية الحرة لعبت دوراً محورياً في تحرير البلاد. بالنسبة لديجول، كانت العظمة الوطنية تعني الحياد، والحياد يعني رفض الخضوع للولايات المتحدة. لم يكن من شأنه الاحتماء بالمظلة النووية الأميركية أو لعب دور بيدق في حربها الباردة ضد الشيوعية. ففي 1966 أخرج فرنسا من القيادة العسكرية لحلف الناتو، وطوّر رادعاً نووياً مستقلاً، وأقام صناعة دفاع قوية، مما أثار حنق واشنطن. وقد فعل كل ذلك لسبب بسيط: أميركا، كونها دولة قومية أنانية مثل غيرها، ستدير ظهرها يوماً لأوروبا.
يمكن القول إننا نعيش اليوم في عالم ديجول أكثر من أي وقت مضى، بل أكثر من أي عصر من عصور القادة الآخرين الذين ساهموا في نصر الحلفاء: فقد تداعت الإمبراطورية البريطانية التي بناها تشرشل، وانتهى نظام الاقتصاد المخطط الذي أقامه ستالين، وتتلاشى سياسة التفوق الأميركي التي وضعها روزفلت.
باختصار، أصبحنا جميعاً معجبين بفلسفة ديجول، سواء كنا ندرك ذلك أم لا. يوافق عدد كبير من القادة على فلسفة ديجول حول عظمة الأمة. يعتقد بوتين أن روسيا إما أن تكون قوة عظمى أو لا شيء، وأن دوره التاريخي هو إعادة إحياء الإمبراطورية الروسية. أما دونالد ترامب، فيعتقد أن أميركا تدهورت إلى حد كبير، ولن تستعيد عافيتها إلا باتخاذ إجراءات جذرية: كأن تتخلص من حلفائها الذين استغلوا مصالحها، وتهميش النخب التقدمية التي سممت ثقافتها.
وقد عاد نمط الرأسمالية الذي تبناه ديجول إلى الظهور بعد عقود من السياسات الليبرالية الجديدة: فقد تخلى بوتين عن تجربة الرأسمالية على الطراز الغربي في روسيا، ويتحدث ترامب عن الاستثمار في شركات صناعة الأسلحة. إن رؤية ديجول لعالم غير موالٍ لأحد أصبح حقيقة واقعة. وقد استشهد فانس به قائلاً: «لقد أدرك ما أدركه أنا، وهو أنه من غير مصلحة أوروبا، ومن غير مصلحة أميركا، أن تكون أوروبا خاضعة سياسياً وأمنياً للولايات المتحدة».
لكن الأوروبيين بدؤوا أيضاً يدركون أن ديجول كان على حق حين حذر من أن الأميركان سيتركون أوروبا في النهاية. ويحاول ماكرون تحديداً استعادة رؤية ديجول لأوروبا المستقلة من خلال فكرته عن «الاستقلالية الاستراتيجية». لكن ماذا علينا أن نفهم من هذا الإحياء العالمي للديجولية؟ هناك مشكلتان عميقتان: الأولى أن ديجول كان أعظم بكثير من مقلديه المعاصرين؛ ليس فقط جسديا، بل أيضاً أخلاقياً. لقد أدرك أن قوة فرنسا تكمن في حسن معاملة شعبه.
لقد جمع بين البساطة في حياته الشخصية والشموخ في موقعه. والثانية أن الولايات المتحدة اليوم في وضع مختلف تماماً عن فرنسا ما بعد الحرب. فقد ورث ديجول دولة ضعيفة لكنه تصرف وكأنها من أعظم قوى العالم. أما ترامب فقد ورث أقوى دولة في العالم – ربع الناتج العالمي وشبكة تحالفات واسعة – ورآها «إمبراطورية في حالة تدهور».
*كاتب متخصص في الشؤون الدولية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»


