تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة مسيرتها الريادية في مجال العمل البيئي المؤسسي، النابع من اهتمامها بحماية الحياة الفطرية والتنوع البيولوجي والغطاء النباتي والموائل الطبيعية، وفق منهجيات علمية، تستند إلى أحدث معايير الحوكمة الدولية، إذ لا تدخر وسعاً في إطلاق المبادرات، وإرساء السياسات واللوائح البيئية الداعمة للعمل المؤسسي والحوكمة، التي تتيح المجال أيضاً للابتكار وتقديم المساهمات العلمية ذات الأثر الإيجابي.

يرجع هذا الاهتمام بالعمل البيئي المؤسسي إلى توجيهات القيادة الرشيدة التي تمنح البيئة أهمية بالغة، وهو ما يعبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بقوله إن «الإمارات داعم أساسي لكل ما يحمي البيئة»، وتأكيد سموه أن دولة الإمارات «تواصل دورها في تعزيز العمل البيئي الدولي مرتكزة على سجلها الحافل وإرثها العريق في هذا الشأن».
ومناسبة الحديث هنا هي حصول هيئة البيئة- أبوظبي على الجائزة الذهبية في مجال السياسات البيئية ضمن جوائز «جرين ورلد» العالمية للبيئة لعام 2025، التي عُقِدَت في مدينة أوكلاند النيوزيلندية، وقد جاء هذا التكريم تقديراً لجهود الهيئة المتواصلة في وضع السياسات واللوائح البيئية، التي تشكِّل نموذجاً للابتكار في الحوكمة البيئية المستدامة إقليمياً وعالمياً، وتُمنَح جوائز «جرين ورلد»، التي تُعنى بالبيئة والتنمية المستدامة، من قِبَل منظمة «ذا جرين» البريطانية منذ عام 1994، وهي هيئة بيئية مستقلة وغير ربحية تحتفي بأفضل الممارسات العالمية في مجال الإدارة البيئية.
ومما لا شك فيه أن هذا التقدير العالمي لهيئة البيئة- أبوظبي يؤكد التزام دولة الإمارات بسياسات بيئية رصينة، في مجال خفض الانبعاثات الكربونية وحماية المياه الجوفية والنظم البيئية البحرية، وذلك على النحو الذي يتوافق مع المعايير الدولية.
وقد تعددت الإنجازات التي حققتها الهيئة في إرساء السياسات والخطط الرامية للمحافظة على البيئة في مجالات حيوية عدة، بما في ذلك التغيُّر المناخي، والتنوُّع البيولوجي، وجودة المياه البحرية والجوفية، وجودة الهواء، والتصدي للتلوث البلاستيكي.
فعلى صعيد التغير المناخي، أرست الهيئة استراتيجية أبوظبي للتغيُّر المناخي 2023-2027، التي تستهدف خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 22% بحلول عام 2027، وتجنُّب انبعاث 26 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام 2024. وفي مجال المياه الجوفية أدّى تطبيق الهيئة الفعّال لقانون حماية المياه الجوفية إلى تحسُّن ملحوظ في مؤشرات الجودة، التي ارتفعت إلى 79% في عام 2023، مع انخفاض معدل السحب السنوي بنسبة 5.63%، في خطوة تعكس تحوُّلاً نحو إدارة أكثر استدامة لهذا المورد الحيوي، وفي مجال التنوُّع البيولوجي، أصدرت هيئة البيئة في أبوظبي مجموعة من اللوائح المهمة، من ضمنها قانون الرعي، وقانون الصيد، وسياسة تربية الأحياء المائية، وتنظيم الصيد الترفيهي. وفي مجال المحميات الطبيعية أنشأت الهيئة شبكة زايد للمحميات الطبيعية، التي تضمُّ حالياً 20 محمية تغطّي 17% من مساحة إمارة أبوظبي.
وأدت هذه الجهود إلى نتائج ملموسة ومتعددة، فعلى سبيل المثال أظهر المخزون السمكي في الإمارات تعافياً بنسبة تصل إلى 97.4% نهاية عام 2024، أي أكثر بنسبة 43% من المعيار العالمي، كما اختارت الأمم المتحدة مبادرات أبوظبي في مجال إعادة تأهيل البيئة البحرية لتكون ضمن أبرز 10 مشاريع عالمية رائدة في هذا المجال.
ودأبت هيئة البيئة- أبوظبي، منذ انطلاقها عام 1996، على إطلاق المبادرات ووضع الخطط والبرامج الهادفة لحماية البيئة وتعزيز الحياة الفطرية والتنوع البيولوجي، حتى أصبحت إحدى أهم المؤسسات البيئية المتخصصة، التي لا يقتصر تركيزها على إمارة أبوظبي فحسب، بل يمتد نشاطها البيئي إلى المستويين الإقليمي والدولي.
تمثل المسيرة الرائدة لـ«هيئة البيئة- أبوظبي» انعكاساً لرؤية دولة الإمارات، التي ارتكزت منذ نشأتها على نهج صديق للبيئة، استهدف تبني أفضل السبل التي تحافظ على الغطاء النباتي والبيئات البرية البحرية، انطلاقاً من رؤى ومبادئ علمية رصينة، ويؤكد التقدير الدولي لدور الهيئة تميُّز المنهجية والمعايير التي تتبعها دولة الإمارات، المبنية على الحوكمة العملية والرشيدة في مجال العمل البيئي.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.