حظي مفهوم الزراعة العمودية في الماضي بجاذبية كبيرة، إلى حد أنه أغرى شخصيات شهيرة لمشاركة شركات رأس المال الاستثماري والأسهم الخاصة في تمويل منشآت زراعية عالية التقنية لزراعة المحاصيل في طبقات متراصة، باستخدام تقنيات زراعة لا تعتمد على التربة. لكن الأمور ساءت مؤخراً، ومع ذلك لا تزال هناك أسباب حقيقية للتفاؤل بشأن مستقبل الغذاء في مبانٍ زراعية شاهقة.

 ووجد تحليل أجرته شركة الاستشارات «إيكو كابيتال»، أن شركات الزراعة الداخلية حول العالم، جمعت نحو ثمانية مليارات دولار بين عامي 2018 و2022، لكن إجمالي التمويلات، التي تلقتها بعد ذلك وحتى نهاية 2024، لم يتجاوز مليار دولار. ولكن مع هدوء الضجة الإعلامية، لا يزال الاهتمام بالزراعة العمودية قائماً بسبب القلق على الأمن الغذائي العالمي.
وتتعرض مصادر الغذاء للخطر جراء تغير المناخ، إذ تؤدي الظواهر الجوية المتطرفة، وازدياد الآفات والأمراض الزراعية، إلى تقويض الإنتاج الزراعي في مناطق عديدة حول العالم. وأفادت الصحف البريطانية الأسبوع الماضي أن مسؤولين في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (داونينغ ستريت) حجبوا نشر تقييم عالمي للنظم البيئية يحذر من احتمال حدوث نقص غذائي عالمي خلال سنوات قليلة.
وفي الوقت نفسه، تُقدر وحدة استخبارات الطاقة والمناخ، وهي منظمة بحثية غير ربحية، أن هناك عجزاً في إنتاج القمح في المملكة المتحدة يزيد على 7 ملايين طن متري منذ عام 2020، وهو ما يكفي لإمدادات عام كامل من الخبز. أما السلع مثل زيت الزيتون والكاكاو والبُن، فقد شهدت تهديدات خارجية أدت إلى ارتفاعات حادة في الأسعار.
وبينما تتضرر الزراعة بسبب فقدان التنوع البيولوجي والفيضانات والجفاف، تزداد المنافسة على استخدام الأراضي في استخدامات أخرى غير الزراعة التقليدية مثل زراعة محاصيل الطاقة الحيوية، وإعادة الطبيعة البرية، وبناء المنازل. ويُشير تحليل لبنك «يو بي إس» السويسري العالمي إلى أن ارتفاع الاستهلاك العالمي، قد يؤدي إلى عجز في إنتاج المحاصيل بنسبة 8% بحلول عام 2050 إذا لم يتحسّن معدل نمو المزروعات.
وتُقدم المزارع العمودية حلاً لتلك المشكلة، إذ يُمكن لموقع شركة «فيشر فارمز» المحدودة في مقاطعة نورفولك زراعة كمية من الطعام على مساحة أربعة أفدنة (1.6 هكتار) تعادل ما يُمكن زراعته على مساحة ألف فدان مسطح، باستخدام مياه أقل بنسبة 95% ودون الحاجة إلى مبيدات حشرية أو أعشاب ضارة. ويُمكن إنتاج أوراق طازجة وأعشاب على مدار العام، معزولة عن تقلبات الطقس، في أنفاق يمكن التحكم بها بدقة حيث يُمكن تعديل الإضاءة ودرجة الحرارة لإنتاج محاصيل مثالية.
وتُركز شركة «فيشر فارمز» حالياً على زراعة الخضراوات الورقية، لأنها لا تتطلب التلقيح وتُناسب الزراعة العمودية بشكل جيد. وهناك أنفاق من الجرجير المائي وبراعم البازلاء والكرنب والجرجير تنمو بشكل مُنتظم، لدرجة أنها تبدو كحدائق خضراء زاهية. أما في موقعها الأصغر للبحث والتطوير، تُطور الشركة أساليب زراعة الطماطم والفراولة، حيث يقول الرئيس التنفيذي كريس كيرك إن الخطة طويلة المدى تتمثل في التوسع في زراعة المحاصيل الأساسية مثل القمح والأرز، مع ضرورة تحقيق المزيد من التقدم في علم الهندسة الوراثية للبذور للوصول إلى ارتفاعات مناسبة تناسب محاصيل الزراعة الرأسية.
وتتعدد مزايا تلك الطريقة، إذ يمكن لمزارع الحيوانات القريبة تغذية ماشيتها بالكتلة الكثيفة من الجذور المتبقية بعد حصاد براعم البازلاء، مما يقلّل من الهدر ويقلّل الحاجة إلى زراعة العلف. كما أن الخضراوات المزروعة داخل المزرعة لا تحتاج إلى غسلها لتنظيف أوراقها من الأتربة والبكتيريا، مما يضاعف مدة صلاحيتها للتخزين والاستهلاك.
وقد تأثّرت هذه الصناعة بعدة عوامل منها ارتفاع تكاليف بناء المرافق وزيادة أسعار الطاقة وسوء استخدام المحاصيل غير المناسبة. على سبيل المثال، قد تكلّف زراعة خس الجبل الجليدي، الآيس بيرغ، رأسياً أكثر من ضعف تكلفة زراعته في الحقول المفتوحة. كما أن الريحان أيضاً غير مُجد اقتصادياً إذ إنه يستغرق فترة طويلاً ليصبح جاهزاً للحصاد، ويواجه المزارعون منافسة قوية مع الواردات القادمة من كينيا، التي يمكن قطع العناقيد يدوياً مراراً من نباتات ضخمة مزروعة في الهواء الطلق.
وتسعى شركة «فيشر فارمز» على إنتاج محاصيل أكثر تخصصاً مرتفعة القيمة، قادرة على منافسة المحاصيل المزروعة في الهواء الطلق والمستوردة. وتتبع بعض الشركات المُعاد إحياؤها نهجاً مشابهاً، فعلى سبيل المثال، استأنفت شركة «بلنتي أنليميتد» نشاطها بالتركيز على الفراولة، بينما أُعيد هيكلة شركة «أيروفارمز» لزراعة براعم الخضروات الصغيرة، والأعشاب التي تُحصد بعد تفتح أوراقها الأولى.
ورغم أن المزارع الرأسية يمكنها نظرياً زراعة أي نوع من المحاصيل وفي أي مكان، طالما توافرت المياه والطاقة، فإن الموقع الجغرافي يعتبر عاملاً ضرورياً، فعلى سبيل المثال، تصبح زراعة الطماطم أكثر جدوى في الإمارات العربية المتحدة، حيث الطاقة الشمسية وفيرة وزهيدة التكلفة.
وفي ظل معاناة الزراعة التقليدية من تهالك البنية التحتية وشيخوخة المزارعين وارتفاع التكاليف وزيادة الأعباء التنظيمية، ستزداد جاذبية الزراعة العمودية مع تحسين أساليب الزراعة بالتجربة والخطأ، وانخفاض تكلفة المواد الخام والبنية التحتية مثل البذور والإضاءة وزيادة كفاءتها. ولضمان مستقبل الأمن الغذائي، علينا أن نتطلع إلى المساحات الرأسية. *كاتبة متخصصة في تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند يسينديكيشن»