ربما تكون تغطية أوضاع العالم محطّمةً للقلوب. فنحن الصحفيون نغطي الحروبَ والزلازلَ والمجازرَ، ومع كل ما نحمله من دروع مهنية ضد الألم، تظل ذكريات جثث الأطفال تطاردنا. ولذا، كان هذا العام مؤلماً لي بشكل خاص، إذ سافرتُ ثلاث مرات إلى أفريقيا لتغطية وفيات الأطفال نتيجة خفض برامج المساعدات الإنسانية. في قرية تلو الأخرى، وجدت أطفالاً يموتون بسبب نقص ناموسيات الملاريا التي لا يتجاوز سعرها دولارين، أو بسبب نقص أدوية الإيدز التي تكلف 12 سنتاً فقط في اليوم. ومع ذلك، وبينما بدت لي سياسة الإدارة الأميركية بهذا الخصوص قاسيةً، فإنها على الأقل بدت متسقةً ومتجذرة في منطق أيديولوجي لا يؤمن بالمساعدات الخارجية.
وبالمثل، عندما أوقفت الإدارة دخول معظم اللاجئين مطلع هذا العام، بدا دافعها واضحاً: إنها لا تريد لاجئين. لكن الأحداث اتخذت منعطفاً جديداً، فقد تبيّن أن الرئيس دونالد ترامب يحب بعض أنواع المساعدات، وأنه مرتاح لبعض اللاجئين البيض. فهو يدعم حزمة إنقاذ بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين، ويتحدث وزير الخزانة «سكوت بيسنت» عن إمكانية رفعها إلى 40 مليار دولار، أي أكثر من إجمالي ميزانية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) في العام الماضي كله.
وليس في إنقاذ دولة تواجه أزمةً مالية ما يثير الاعتراض في حد ذاته، فقد فعلت الولايات المتحدة ذلك عام 1995 لإنقاذ المكسيك. الفرق أن خطة إنقاذ المكسيك كانت مُحكمةً وناجحةً، بينما ليس من الواضح حتى الآن ما التغيير الذي حدث في سياسات الأرجنتين يجعل خطة ترامب قادرة على تحقيق الاستقرار في بلد شهد أكثر من 20 عملية إنقاذ سابقة.
هناك فرق آخر يتمثل في اهتمامنا الكبير باستقرار المكسيك، جارتنا وشريكنا التجاري الرئيسي. حتى ترامب يُقرّ بأن خطة إنقاذ الأرجنتين لا تعكس المصالح الأميركية الحيوية، إذ قال هذا الشهر: «لسنا مضطرين للقيام بذلك. لن يُحدث ذلك فرقاً كبيراً لبلدنا». فلماذا إذاً نُنفق كل هذه الأموال لمحاولة جعل الأرجنتين دولة عظيمة؟ جزئياً لمحاولة إنقاذ الرئيس خافيير ميلي، الذي هو حليف لترامب. قد تُفيد خطة الإنقاذ بشكل كبير عدداً من مستثمري صناديق التحوّط الأميركية الأثرياء، بمن فيهم مليارديران صديقان لوزير الخزانة «بيسنت» عملا معه سابقاً، كما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز».
وهكذا، بينما تقطع واشنطن المساعدات التي تُبقي الأطفالَ على قيد الحياة مقابل 12 سنتاً في اليوم، فهي مستعدة لإنفاق عشرات المليارات على محاولة مشكوك في نجاحها لدعم اقتصاد بعيد، في الوقت نفسه الذي تدعم فيه عملياً أصحاب الثروات الذين قاموا باستثمارات خاطئة.
إن كثيراً من الأثرياء الأميركيين المحافظين استثمروا بكثافة في الأرجنتين في عهد ميلي، لانبهارهم برؤية قيادة شبيهة بقيادة ترامب في الأرجنتين وبالتحسينات الاقتصادية المبكرة هناك. وتحاول إدارة ترامب الآن إنقاذ ميلي لأسباب مماثلة، بطرق ستعود بالنفع الكبير أيضاً على المليارديرات الذين آمنوا به. تتطابق الأيديولوجيا والمصالح المالية الشخصية. يقول تشارلز كيني، الزميل الأول في مركز التنمية العالمية بواشنطن: «ليس أمراً سيئاً أن تستخدم الولايات المتحدة أدواتها المالية لمساعدة الدول على تجاوز أزماتها. المشكلة الكبرى في حالة الأرجنتين هي أنه ما لم يتغير شيء جذري، فإن هذه الأموال ستذهب هباءً».
أفكر في اللاجئين الكونغوليين الذين قابلتُهم مؤخراً في أوغندا والأفغان الذين عرفْتُهم ممن ساعدوا في حماية الجنود أو عمال الإغاثة الأميركيين، وأبناء الأقليات الدينية في باكستان وإيران، كل هؤلاء لا يمكنهم دخول الولايات المتحدة، بينما ندفع نحن ثمن تذاكر طيران للأفريكانيين البيض الميسورين الذين يشكون أحياناً من صعوبة العثور على خدم في أميركا. وبدلاً من إطعام الأطفال الجائعين، ستُكافئ بعضُ المساعدات الخارجية أثرياء وشركات كبرى. وقد لا يُمنح وضع اللاجئ لأشدّ الناس حاجةً في العالم، بل لبعضٍ من أكثرهم بياضاً.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
*صحفي أميركي


