شهد الحزبان «الديمقراطي» و«الجمهوري» الأميركيين تحولات جذرية في مواقفهما منذ التأسيس وحتى الآن. فالحزب الديمقراطي الذي تأسس في عام 1828 كان يؤيد العبودية واقتصار حق الانتخاب على العرق الأبيض، وتقليص دور الحكومة الفيدرالية ومنح الولايات مزيداً من السلطات لإدارة شؤونها مع التوجهات المحافظة إلى حد كبير. أما الآن فقد أصبح هذا الحزب أكثر ليبرالية، إذ ينادي بالحقوق المدنية والعدالة المجتمعية للجميع، كما يعمل على ترسيخ دور الحكومة الفيدرالية، وتوسيعه في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية. وإضافة إلى ذلك، ينادي الحزب الديمقراطي بفرض المزيد من القوانين التي تحد من حرية حيازة الأسلحة، ويعارض عقوبة الإعدام.
وعلى الجانب الآخر، فإن الحزب «الجمهوري» ركز منذ تأسيسه في عام 1854 على توسيع دور الحكومة الفيدرالية مع التمسك بالحقوق المدنية ومعارضة العبودية ومنح الأميركيين من أصول أفريقية المزيدَ من الحقوق ومنها حق المواطنة والانتخاب. ومنذ نهايات القرن التاسع العشر وبدايات القرن العشرين تبدلت مواقف الحزب كليةً وأصبح ينادي بتقليص دور الحكومة الفيدرالية ومنح المزيد من الحريات للولايات وتخفيض الضرائب والإنفاق الحكومي وتوسيع دور اقتصاد السوق. كما أنه يعارض الإجهاض وتغيير مفهوم الأسرة، ويؤيد الحق في حيازة الأسلحة الشخصية، ويعمل على تكوين قوات مسلحة قوية مرنة عالية التجهيز، وعلى إرساء سياسة خارجية حازمة.
وحالياً، وبالرغم من أن الحزب «الجمهوري» يشهد أوج انتشاره إذ يلتف حول قيادة موحدة وقوية متمثلة بالرئيس دونالد ترامب، وقد استطاعت أن تسيطر على البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ، إلا أنه يواجه تراجعاً على المستوى الشعبي. وأسباب ذلك تعود إلى الإخفاقات الاقتصادية، والتوسع في فرض الرسوم الجمركية على الواردات، وارتفاع معدلات التضخم، والنزعة الشمولية في الحكم.
وعودةً للحزب «الديمقراطي»، فبالرغم من فوزه مؤخراً بمنصب الحاكم في ولايتي فرجينيا ونيوجرسي، بجانب منصب عمدة مدينة نيويورك، إلا أنه يشهد انقسامات على مستوى القيادة. فقد فشل تشاك تشومر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ في إدامة وحدة الصف الديمقراطي أمام الجمهوريين في قضية التمويل الحكومي، الأمر الذي تمثل في تصويت سبعة ديمقراطيين مع الجمهوريين لصالح تمديد التمويل دون الحصول على أي مكاسب سياسية فيما يتعلق بـ«خطة أوباما للرعاية الصحية». وبالرغم من أن الحزب «الديمقراطي» أمامه فرصة ذهبية للاستفادة من «الغضب الشعبي» ضد سياسات ترامب والتركيز على الفوز في الانتخابات التشريعية النصفية بعد عام من الآن، إلا أنه يواجه أزمةً حقيقيةً تتمثل في إيجاد قيادة قوية وحاسمة ومؤثرة في الشارع الأميركي تستطيع ضمانَ الهيمنة على مقاليد السلطة والتشريع في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2028.
وبالتالي فقد نشهد هيمنةً ديمقراطيةً على السلطة التشريعية بعد عام، ربما تمنح الحزبَ الديمقراطي فرصةَ للبدء في إجراءات عزل ترامب للمرة الثالثة في تاريخه الرئاسي. لكن المرجح أن تشهد الانتخابات الرئاسية القادمة سباقاً محموماً على البيت الأبيض بين الجمهوريين الذين يتمتعون برؤية وقيادة وقاعدة شعبية كبيرة وبين الديمقراطيين الذين سيستغلون غضب شرائح كبيرة من الأميركيين إزاء سياسات ترامب خاصة والجمهوريين عامة، لكن دون أن تكون لهم قيادة قوية وحازمة حتى الآن.
*باحث إماراتي


