انعقد في بيت الفلسفة بالفجيرة يومي 11 و12 من الشهر الجاري «ملتقى المواطنة والآخر وفلسفة الوجود الإنساني»، والذي جاء نتيجة شراكة بين جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية وبيت الفلسفة بالفجيرة. وضمّ اللقاء زهاء 25 محاضراً وباحثاً، وشهد حضور أزيد من خمسين مهتماً.
موضوع المواطنة مهمٌّ لأنه عماد الاستقرار ومناط الهوية والسيادة في الدول الوطنية، ويرجع ذلك لأسبابٍ تاريخية وقانونية وسياسية وأخرى تتصل بأخلاقيات العيش المشترك. ظهر هذا المبدأ في القرنين ال17 وال18 وتبلور في القرنين ال19 وال20. وهو يقوم على الاعتراف المتبادل بين الدولة ومواطنيها بحقوقٍ أساسيةٍ، مثل حرية التعبير وحرية التدين، وحرية الانتخاب. لقد صارت هذه الحقوق والحريات بديهية، وإن ظلت هناك تفاوتات في التطبيق.
لقد حاضر في المواطنة وتنظيماتها عددٌ من الزملاء وتناقشوا في قضايا ومشكلات أهمّها موجات العولمة والتي اتجهت لنصرة حركة السلع والأموال والأشخاص. وقد نجح الأمران الأولان، وما يزال الأمر الثالث (تنقل الأشخاص) يعاني من عقبات. ومع ذلك فإنّ ضغوط الهجرة التي تحملتها دول الخليج لم تتحملها الدول الأوروبية ولا الولايات المتحدة. وصارت القوانين أكثر ضيقاً وتشدداً. ومع ذلك فإنّ عدداً من المفكرين يتحدثون عن المواطنة العالمية، ويتحدث آخرون عن توسيع آفاق حقوق الجوار والضيافة بحيث يمكن الحديث عن التعددية الثقافية في ظلّ المواطنة.
أما تحديات الهوية فمختلفة، إذ هناك تيارات في أوروبا ما عادت تتقبل الغريبَ باعتبار اختلال الهوية الدينية أو الإثنية أو اللغوية. ولدينا نحن العرب والمسلمين انشقاقاتٌ في الدين يقودها متطرفون من جماعات الإسلام السياسي للتشكيك في شرعية الدولة الوطنية، بينما نريد جميعاً سوادَ الدولة المدنية في المنطقة العربية. قصر الهوية على الدين يعني قيام دولة دينية فيها تمييز بين المواطنين.
جرت نقاشات واسعةٌ في المؤتمر حول توترات الهوية، وكيف أفضت إلى سياسات تقسيمية أو شبه تقسيمية، بينما التطورات السلبية لجهة العنف المرتبط بمشكلة الهوية تشير إلى خطورة هذه المشكلة في عددٍ من الدول الوطنية في العالم العربي وشرق أفريقيا وبلدان الساحل.
إنّ الإسلامويين الذين مارسوا ألعاباً جمة لمواجهة السلطات بالدول الوطنية إنما يريدون الوصول إلى السلطة بهذه الطريقة، كأنما هم يمتلكون الدين، بينما الآخرون ممن يقفون إلى جانب الهوية المنفتحة، يريدون الدولة الشرعية القوية التي تحفظ حياة السكان وأمنهم وعيشهم الحر والكريم.
لقد تحدثتُ بدوري عن المواطنة والكرامة الإنسانية، والكرامة فيها اشتراك بين الديني والمدني، وفيها الجانب الأخلاقي المعروف! كان الملتقى المشترك تجربة غنية للباحثين وبينهم الشباب، وفي موضوعين شديدي الأهمية. ولا شك في أن كلا منهم سيطور منظومته الفكرية والثقافية والدينية.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


