يمكن فهم موقف حلف شمال الأطلسي «الناتو» تجاه الحرب الدائرة حالياً في الشرق الأوسط بتحليل التصريحات، التي أدلى بها مارك روتا الأمين العام للحلف في 5 مارس، أي بعد أيام قليلة من بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وتلخص هذه التصريحات أبعاد موقف الحلف من الحرب كما يراه أمينه العام، والتي يمكن حصر أهمها في بعدين رئيسيين: أولهما يتصل بالتوجه العام للحلف إزاء الحرب، والثاني بسلوكه الفعلي، أما التوجه العام فهو طبقاً لروتا تأييد الولايات المتحدة التي تُعْتَبَر بلا منازع قائدة الحلف في قرارها بشن الحرب، وإن وجه بعض القادة الأوروبيين انتقادات علنية للقرار، ويقصد بذلك أساساً موقف رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي، وفَسَّر هذا التأييد بأن دول الحلف تشارك الولايات المتحدة الأميركية المخاوف من سلوك النظام الإيراني.
أما على صعيد السلوك العملي، فقد كانت تصريحات «روتا» أقل وضوحاً، إذ ذكر ما نصه أن الحلف يقدم «مساعدة تمكينية أساسية»، دون أن يوضح ماهية هذه المساعدة، كما بدا من تصريحاته أنه يعتبر المهمة الأساسية للحلف هي ضمان الحماية الكاملة لكل شبر من أراضي الدول الأعضاء في الحلف، وهو هدف يبدو يسيراً حيث لم تتعرض أي دولة من هذه الدول لتهديد مباشر في الحرب الحالية سوى تركيا التي تعرضت للهجوم بصاروخ تم إسقاطه، ونفت إيران أن تكون هي من وجهته، وحرص روتا على أن يؤكد مشاركة الحلف في إسقاطه، أما بخصوص المادة الخامسة من ميثاق الحلف فقد حرص على أن يعطي الانطباع بأن ثمة اتفاقاً على تطبيقها، وإن كان توقيت هذا التطبيق يجب أن يبقى سراً حرصاً على إخفائه عن العدو.
ومن الواضح أن دور الحلف على الصعيد العملي كان شبه غائب، وقد تأكد هذا من الهجوم القاسي الذي شنّه ترامب على الحلف وأعضائه، فبعد مرور أكثر من 3 أسابيع على الحرب، وتحديداً في 24 مارس حذر من أن الحلف سيواجه مستقبلاً سيئاً إذا لم تساعد دوله في تأمين مضيق هرمز، واتهم حلفاءه بالجبن والتقاعس عن دعم الولايات المتحدة، ووصف الحلف بأنه «نمر من ورق»، كما اعتبر موقف الحلف «خطأً فادحاً» بالنظر إلى أن أعضاءه يشاركون الولايات المتحدة هدف منع إيران من أن تكون دولة نووية.
ترامب ألمح إلى إمكانية الانسحاب من الحلف، طالما أنه طريق «ذو اتجاه واحد» (يقصد أنه يتلقى الدعم من الولايات المتحدة دون أن يقدم لها شيئاً)، وانتهى بأن المعركة حُسِمَت بدونه، وأن الولايات المتحدة من ثم ليست بحاجة له، وقد تعددت التفسيرات بشأن الموقف غير الفاعل للحلف، وأولها أن هذا الموقف يُعَد انعكاساً لأزمته الداخلية التي ترتبت على تصاعد الاختلافات بين سياسات ترامب والسياسات الأوروبية، وكان التجلي الأكبر لهذه الاختلافات هو ذلك المرتبط بمطالبته بملكية جرينلاند، والثاني أن قرار الحرب لم يتخذه الحلف، وإنما هو قرار إسرائيلي- أميركي، وبالتالي فإن دول الحلف غير ملزمة به، وأخيراً ذهب أحد التفسيرات إلى أن عدم تدخل الحلف يعود إلى أن قدرات معظم دوله لن تضيف للقدرات الأميركية والإسرائيلية، فهل تصدق الأنباء القائلة بأن الحلف قد يُعَدل سلوكه، ويشارك في تأمين مضيق هرمز؟ أم أن أزمته الداخلية كُتِب لها أن تستمر؟
*أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة.


