في إحاطاته الصحفية التي يعقدها عقب أي هجوم أميركي على دولة ما - وهو أمر بات شائعاً هذه الأيام - لا يغفل «دان كين»، رئيس هيئة الأركان المشتركة، عن الإشادة بقوة الفضاء وأفرادها الذين يُطلق عليهم «الحراس». ولسبب وجيه. فسواءً أكانت أميركا قد غزت فنزويلا أو قصفت إيران، فإنها أولاً تُعطّل أجهزة استشعار خصومها، وهذا يشمل حتماً الأصول والتقنيات الفضائية التي تتواصل مع المعدات الأرضية أو التشويش عليها.
ومع ذلك، لا تُضاهي فنزويلا ولا إيران أميركا في المجال التكنولوجي الفضائي. والسؤال الذي يشغل بال أبرز خبراء الحرب الفضائية هو: كيف ستبدو الحرب الكبرى القادمة عندما يكون الخصم دولة عظمى أو دولتين؟ ولاستشراف هذه السيناريوهات، تحدثتُ (بشكل غير رسمي) مع خبراء ومسؤولين في واشنطن وكولورادو سبرينجز، حيث تقع قاعدة بيترسون لقوة الفضاء، التي تضم عدة قيادات متكاملة، منها القيادة الخاصة بالفضاء. وما يلي هو انطباعاتي الشخصية المستندة إلى تلك المحادثات.
كان هناك اتفاق على نقطة أساسية: الطلقات الأولى في الحرب العالمية المقبلة ستُطلق على الأرجح في الفضاء (مع تبادل متزامن للهجمات في الفضاء السيبراني، الذي يتداخل بشكل متزايد مع المجال الفضائي). لكن الخلاف يدور حول شكل الهجوم، وما إذا كانت الولايات المتحدة تحديداً عرضة لـ «بيرل هاربر فضائية».
تستخدم جميع القوى العسكرية الكبرى اليوم، ولا سيما الولايات المتحدة والصين وروسيا (بحسب ترتيب تطورها)، الفضاء لمراقبة أعدائها ورسم خرائط مواقعهم وتتبعهم، وكذلك لتوجيه قواتها وقوتها النارية. وهذا يُلزمها جميعاً بوضع خطط هجومية ودفاعية، لتدمير الأقمار الاصطناعية والمحطات الأرضية لخصومها مع حماية أكبر قدر ممكن من منشآتها.
في الحد الأدنى، يشمل ذلك التشويش الكهرومغناطيسي، وهو أمر يحدث بالفعل بشكل منتظم، وإن كان نادراً ما يتصدر العناوين. وعادة ما يكون هذا التشويش مؤقتاً، ولا يُعد بمفرده سبباً للحرب. أما الهجمات الأكثر عدوانية، فتشمل الطاقة الموجهة، مثل الليزر أو الصواريخ المادية، التي قد تُطلق من المدار نفسه أو من الأرض. وقد يأخذ الهجوم شكل اصطدام الأقمار الصناعية ببعضها، أو ابتلاعها أو إتلافها بطرق أخرى.
كما هو الحال دائماً في تاريخ الحروب والأسلحة، أدى التطور المتسارع في مجال الفضاء إلى سباق تسلح في بعض المدارات، لا سيما تلك القريبة نسبياً من الأرض. وتقوم الدول المنافسة بتشغيل وإيقاف محركات أقمارها في مناورات مدارية جريئة قد تستمر لأيام.
لا تُعدّ هذه المناوشات سهلةً عند سرعات تصل إلى 17,500 ميل في الساعة. ولا تمتلك الولايات المتحدة بالضرورة التفوق التكنولوجي في هذه المجالات. فعلى سبيل المثال، تُناور الأقمار الصناعية العسكرية الأميركية كما لو كانت طائرات بوينج 747 (أي أنها ليست رشيقةً للغاية)، بينما تسعى القوات الفضائية إلى جعلها تتحرك كمقاتلات إف-15.
أما التكيف الدفاعي الأكبر فهو في «الهندسة المعمارية» للأنظمة. تاريخياً، فضّل الجيش الأميركي إطلاق عدد قليل من الأقمار الصناعية عالية الكلفة والتعقيد. لكن هذه أصبحت الآن «أهدافاً كبيرة وسهلة»، كما وصفها أحد الجنرالات، تكاد تغري الخصوم بضربة استباقية.
لذلك ظهر اتجاه نحو الانتشار، أي الاعتماد على عدد كبير من الأقمار الرخيصة المرتبطة ضمن شبكات، بحيث لا يكون تدمير أي عنصر منها ذا جدوى كبيرة. (وقد أدت فكرة مشابهة في الستينيات إلى تطوير الإنترنت الحديث).
ومع تعزيز الولايات المتحدة لقدرات قواتها الفضائية، يطوّر الخصوم تكتيكاتهم أيضاً.
ولن يؤدي انفجار نووي فضائي إلى قتل البشر على الأرض بشكل مباشر، سواءً بانفجاره أو إشعاعه. ولكن التفجيرات النووية في الفضاء قد تتغلب على قدرة الأبراج الفضائية المنتشرة على الصمود، وذلك بجعل مدارات كاملة غير صالحة للاستخدام.
سيكون ذلك انتهاكاً جسيماً لمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، كما سيكون استفزازاً لا يمكن تجاهله. ومن الناحية الاستراتيجية، يشبه نشر صواريخ نووية في كوبا عام 1962، الذي كاد يؤدي إلى كارثة نووية.
حتى من دون استخدام سلاح نووي، هناك خطر آخر هو «مأساة المشاعات». فالفضاء، رغم اتساعه الظاهري، أصبح مزدحماً بالحطام. ويُقدّر وجود نحو 130 مليون قطعة من النفايات الفضائية، منها 35 ألف قطعة كبيرة يمكن تتبعها. وحتى الأجسام الصغيرة جداً قد تدمر أقماراً اصطناعية، مما يؤدي إلى سلسلة اصطدامات تُعرف باسم «متلازمة كيسلر»، والتي قد تُؤدي إلى تعطيل مدارات فضائية بأكملها.
هذه المدارات التي تتحرك خلالها الأقمار الاصطناعية ضرورية لحياتنا اليومية: من الملاحة إلى الاتصالات إلى الزراعة. وإذا أصبح الفضاء غير قابل للاستخدام، فإن الاقتصاد العالمي قد يتوقف فعليا.
هناك أيضاً تفاوت في الاعتماد على الفضاء. فالولايات المتحدة وحلفاؤها هم الأكثر اعتماداً، بينما روسيا أقل تعرضاً للخطر. وهذا يفسر اختلاف الاستراتيجيات: واشنطن تسعى للحفاظ على الفضاء، بينما قد ترى موسكو أن ضربة أولى في الفضاء قد تعوض خسارة على الأرض. في مثل هذا السيناريو، قد تعود البشرية فجأة إلى مستوى تطور القرن الماضي أو حتى ما قبله. ورغم أن الأضرار ستكون أقل من حرب نووية أرضية، فإنها ستظل كارثية.
ستواصل الدول تطوير قدراتها في حروب الفضاء. وحتى خطط مثل «القبة الذهبية» الأميركية ليست جديدة بالكامل، سوى فكرة وضع أنظمة اعتراض في الفضاء. ومع ذلك، ينبغي على جميع الدول - خاصة القوى الكبرى - أن تتعلم من دروس الردع النووي، وأهمها مبدأ «التدمير المتبادل المؤكد»: أفضل استراتيجية ليست الفوز بالحرب المقبلة، بل منعها من الأساس.
* كاتب متخصص في الأمن القومي والجغرافيا السياسية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


