في أواخر يونيو الماضي، ذهبت مع والدي إلى ملعب ميتلايف في نيوجيرسي لمشاهدة مباراة ألمانيا والإكوادور في كأس العالم. وكان والدي قد جاء من الصين لحضور البطولة، وهي رحلة خطط لها قبل سنوات، رغم إخفاق المنتخب الصيني في التأهل، إذ لم يبلغ كأس العالم منذ عام 2002، حين كان المشجعون الصينيون لا يزالون يعتقدون أن كرة القدم في بلادهم على أعتاب عصر ذهبي.
وفازت الإكوادور 2-1 أمام نحو 80 ألف متفرج، لكن المشهد الأبرز لم يكن داخل الملعب، بل خارجه. ففي استراحة الشوطين، لفت والدي انتباهي إلى الشعارات الصينية المنتشرة على شاشات الملعب الصينية، وقال إن الصين لم تتأهل إلى البطولة، لكنها تبدو حاضرة في كل مكان.
فعندما راجع أحد الحكام إحدى اللقطات، ظهرت الإعادة على شاشات وفرتها شركة «هايسنس» الصينية. كما زوّدت «لينوفو»، الشريك التقني الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، إلى جانب شركتها التابعة «موتورولا»، المنتخبات والعاملين في الملاعب بأكثر من 17 ألف جهاز، بينما تعتمد المنتخبات الـ48 جميعها على منصة لينوفو لتحليل بيانات المباريات. وحتى حفل الافتتاح شهد ظهور دمية ضخمة من «لابوبو»، الشخصية الشهيرة التابعة لشركة «بوب مارت» الصينية.
وفي حدث استقطب ما يصل إلى 10 ملايين زائر إلى الولايات المتحدة في الصيف الحالي، وأمام جمهور يضم مئات الملايين من المشاهدين، تُشغل التكنولوجيا الصينية شاشات الحكام، وتعالج الأجهزة الصينية بيانات المباريات. ولا يُخالف ذلك أي قانون، ومع ذلك لم ينتبه إليه أحد تقريباً.
وتنجح القوة الناعمة المُستعرضة في كأس العالم لأنها تُعزز أُلفة العالم مع العلامات التجارية الصينية، ما يجعل انتشارها تدريجياً أمراً اعتيادياً. وقد انتهجت اليابان النهج نفسه قبل جيل، فمنذ عام 1982 حتى 2014، اصطفت شعارات شركات الإلكترونيات اليابانية على جانبي ملاعب كأس العالم. وتلاشت المخاوف العالمية بشأن صعود القوة الاقتصادية اليابانية في أواخر القرن العشرين مع تحول «سوني» و«باناسونيك» إلى علامات تجارية معروفة على نطاق واسع.
أما النسخة الصينية من هذه الاستراتيجية، فيصعب مواجهتها. فرغم امتلاك العلامات التجارية الصينية عدداً أقل من الرعايات الرئيسية للفيفا مقارنة بعام 2018، فإن الرعاة المتبقين راسخون بقوة في البنية التحتية للبطولة. فعندما تُساعد الأجهزة الصينية الحكام في تحديد صحة الهدف، تصل رسالة ضمنية إلى المشاهدين مفادها أن العالم بات يعتمد على التكنولوجيا الصينية.
وليس هذا النوع من النفوذ هو ما كانت بكين تطمح إليه في الأصل. ففي عام 2011، وقبل عامين من توليه رئاسة الصين، أعلن شي جين بينغ ثلاث أمنيات لكرة القدم الصينية، كانت ثالثها الفوز بكأس العالم، حيث أنفقت الحكومة مليارات الدولارات في محاولة لبناء منتخب وطني قادر على المنافسة، لكنها أخفقت في ست محاولات متتالية للتأهل. ومع ذلك، قد تفعل العلامات التجارية الصينية لتحسين صورة الصين لدى الأميركيين أكثر مما كان يمكن أن يحققه أي إنجاز للمنتخب في البطولة.
ويبدو هذا الأثر أوضح ما يكون لدى الشباب. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2025 وجود فجوة بين الأجيال، إذ يحمل من هم دون الثلاثين، الذين نشأوا على التسوق عبر «شي إن» وتصفح «تيك توك»، نظرة أكثر إيجابية إلى الصين مقارنة بآبائهم. فتصورهم للصين يتشكّل من منتجات عالية الجودة وشخصيات لطيفة وجذابة. وتتعزّز إيجابية تلك الصورة عندما تعتمد بطولة كأس العالم، المقامة على الأراضي الأميركية، على التكنولوجيا الصينية المتطورة عالية الكفاءة.
وفي 19 يوليو الجاري، أقيمت المباراة النهائية على ملعب ميتلايف أمام ما قد يكون أكبر جمهور تلفزيوني في تاريخ الرياضة، بينما تابعها الكثيرون حول العالم عبر شاشات صنعتها شركات صينية.
*أستاذ في جامعة نيويورك ومؤلف كتاب «إعادة صياغة الصين: تيك توك، والقوة الناعمة، ومعركة الروايات العالمية».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


