تشير التطورات الأخيرة إلى أن إيران لم تَعُد تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط مؤقتة، وإنما تسعى إلى تكريس نفوذ دائم على أحد أهم الممرّات البحرية في العالم. ويعني ذلك توظيفه لفرض إرادة سياسية، بما يتعارض مع القوانين والاتفاقيات الدولية. ولا تقف تداعيات ذلك عند حدود الملاحة البحرية، إذ تمتد إلى أسواق الطاقة، وتكاليف التأمين، وسلاسل الإمداد العالمية. فكل اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على كلفة التجارة الدولية، ويعمّق حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
ويفرض السلوك الإيراني على دول الخليج النظر إلى أمنها بمنظور مختلف. فحماية الاستقرار لم تَعُد تقتصر على تعزيز القدرات العسكرية، وتشمل أيضاً تقليل الاعتماد على أي ممرٍّ قد يتحول إلى وسيلة ضغط. ولهذا شهدت السنوات الأخيرة توسّعاً في خطوط الأنابيب، والموانئ الواقعة خارج المضيق، ومرافق التخزين، وشبكات الربط اللوجستي. كما تعكس توجُّهاً نحو اقتصاد أكثر مرونة، يقوم على تنويع مسارات الإمداد وتقليل الاعتماد على نقاط الضعف الاستراتيجية.
ولا يقتصر أثر التوتر في مضيق هرمز على دول الخليج، فالدول المستوردة للطاقة تتابع التطورات فيه باعتبارها مؤثّرة في أمن الإمدادات واستقرار الأسواق. ويرتبط أمن الملاحة في المضيق بمصالح اقتصادات كبرى تعتمد على استمرار تدفق النفط والغاز والتجارة البحرية، وهو ما يمنحه بُعداً دولياً يتجاوز حدوده الجغرافية. وتتجاوز الاستجابة الدولية حدود المواقف السياسية، فالتنسيق المتزايد بين الولايات المتحدة وأوروبا وشركائهما يعكس اتجاهاً نحو اعتبار حماية الملاحة في مضيق هرمز مسؤولية دولية مشتركة. ويؤشّر ذلك إلى أن أمن هرمز تجاوز الإطار الإقليمي، وأصبح جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي. ويطرح المقترح العُماني، المُستلهم من تجربة مضيق ملقة، تصوراً مختلفاً لإدارة مضيق هرمز.
فبدلاً من اختزال أمن الملاحة في التوازنات العسكرية، يقوم على مساهمات طوعية من الدول والشركات المستفيدة لتمويل خدمات الملاحة وحماية البيئة، ويجعل إدارة المضيق مسؤولية جماعية تشارك فيها الدول الأكثر ارتباطاً بحركة التجارة عبره، بما يَحدُّ من قدرة أي طرف على الانفراد بإدارة المضيق. ورغم أهمية المقاربات المختلفة، لا يكفي الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لضمان الاستقرار في مضيق هرمز، مهما بلغت أهميتها في فرض الردع. فالعمليات العسكرية قد تغيّر موازين القوة، لكنها لا توفر إطاراً دائماً يمنع تجدّد التوتر. ومن هنا تفرض البراغماتية الجمع بين الردع والتحرك الدبلوماسي، وتعزيز مقومات الصمود الاقتصادي واللوجستي، لأن استقرار المضيق يتطلب إدارة مستمرة للأزمات والحدّ من احتمالات التصعيد.
ويمنح القانون الدولي مضيق هرمز مكانةً تتجاوز الدولَ المطلّة عليه. فالممرُّ يرتبط بمصالح اقتصادية عالمية. ولذلك لا يقتصر الحفاظ على حرية العبور على مسؤولية الدول المشاطئة، لأن أي محاولة لفرض قيود أحادية تمتد آثارها إلى الدول المستفيدة من استمرار انسياب التجارة وإمدادات الطاقة. المفارقة أن الاستراتيجية الإيرانية قد تقود إلى نتيجة معاكسة لما تستهدفه. فكلما ارتفعت كلفة المرور عبر مضيق هرمز، تسارعت الاستثمارات في البدائل، وتراجعت قدرة أي طرف على استخدامه أداة ضغط في المستقبل. وعندها تصبح الجغرافيا أقل تأثيراً مما كانت عليه. ويظلُّ العمل الخليجي المشترك ضرورة لحماية الملاحة.
فالمسؤولية لم تَعُد مقتصرة على كل دولة بمفردها، وتستدعي تنسيقاً أوثق في حماية الممرات البحرية، وتبادل المعلومات، وربط القدرات الأمنية والاقتصادية واللوجستية ضمن رؤية مشتركة للأمن البحري، بالتوازي مع استمرار الانفتاح على الحلول السياسية التي تحفظ الاستقرار وتمنع الانزلاق إلى مواجهات أوسع. أثبتت التجارب أن الموقع الجغرافي يمنح الدول نفوذاً، وتبقى طريقة إدارته هي التي تُحدّد قيمته الاستراتيجية. وقد تكشف أزمة مضيق هرمز أن توظيف الممرّات البحرية في إدارة الصراع يدفع الدول إلى تسريع البدائل وتقليص الاعتماد عليها، فتتراجع قيمة الموقع الجغرافي، ويخسر صاحبه إحدى أهم أوراق القوة التي يمتلكها.
*كاتب إماراتي


