لن يكون من المفاجئ أن تتمكن الهند من إزاحة الولايات المتحدة، خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، عن مركزها كثاني أكبر دولة في العالم من حيث قدرة شبكة الطاقة الشمسية بعد الصين. ولكن، إذا كان طموح الهند يتمثل في أن تصبح «مصنع العالم» أو أن تستضيف عمليات الذكاء الاصطناعي لصالح عمالقة التكنولوجيا الغربيين، فعليها إنهاء صراع القوى الدائر حول الطاقة.
ومع إضافة طاقة الرياح وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، نجد أن نحو 120 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية قد وجهت لتقليل اعتماد الهند على الوقود الأحفوري. وجاء هذا التحول في توقيت مثالي، إذ إن إمدادات الطاقة من روسيا والشرق الأوسط محفوفة بالمخاطر الجيوسياسية، بينما يسهم الفحم المتوافر محلياً في تلوث الهواء المميت بالمدن.
لكن في الوقت الذي يُفترض فيه أن تدفع الهند بقوة نحو الطاقة النظيفة، يسود ارتباك عند تقاطع قطاع الكهرباء مع السياسات المتقلبة.
وتظهر المخاطر بوضوح في ماهاراشترا، إحدى أغنى ولايات الهند وأكثرها تصنيعاً. فمصانع الصلب وشركات الأدوية وغيرها من الشركات الكبرى تعتمد خارج مومباي على شبكة الكهرباء العامة التي تديرها شركة «ماهاراشترا لتوزيع الكهرباء». ومؤخراً، دخل نوع جديد من العملاء إلى المعادلة: مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وقد شجع هذا النشاط شركة المرافق الحكومية على السعي للإدراج في البورصة، لكن لديها مشكلة كبيرة تتمثل في المزارعين. فرغم تحقيقها أرباحاً في السنة المالية 2024-2025، لا تزال تحمل 884 مليار روبية، أي نحو 9 مليارات دولار، من الفواتير غير المحصلة، ولا سيما المستحقات على المستهلكين الزراعيين. وقد خصصت الإدارة مبالغ لتغطية خسائر محتملة بنسبة 34% من المستحقات، وهي نسبة يراها مدقق الحسابات غير كافية.
وفي أنحاء الهند، يوفر السياسيون الكهرباء الرخيصة للمزارعين لكسب الأصوات الانتخابية، وعندما تعجز شركات المرافق الحكومية عن تحصيل الفواتير المدعومة، يتراكم العجز المالي. وتسعى ماهاراشترا إلى كسر تلك الحلقة بفصل إمدادات القطاع الزراعي في كيان مستقل، ما يترك شركة التوزيع مدعومة بعملاء تجاريين وصناعيين لن يعودوا مضطرين إلى دعم القطاع الزراعي.
لكن تكلفة الإصلاح تُحمل على منتجي الطاقة الشمسية من القطاع الخاص. فإلى جانب عقود بيع إنتاجهم لشركة توزيع الكهرباء الحكومية، تتيح قواعد «الوصول المفتوح» أيضاً لهؤلاء المنتجين استئجار الشبكة من شركة المرافق للوصول مباشرة إلى المصانع والمنشآت التجارية. غير أن منظم الكهرباء في الولاية خفض، بناء على طلب شركة التوزيع، قدرة منتجي الطاقة الشمسية على تخزين فائض إنتاجهم النهاري لدى الشركة الحكومية مقابل رسوم لاستخدامه ليلاً.
وفي بدايات طفرة الطاقة الشمسية في الهند، قدمت شركات المرافق ما يُعرف بخدمات «تخزين الطاقة» أو بنك الطاقة، لضمان وجود سوق للمنتجين. ومع وفرة الإمدادات الآن، أصبح استخدام الشبكة كبطارية يفرض ضغطاً كبيراً على البنية التحتية، ومن المنطقي تشجيع البطاريات في مواقع الإنتاج أو استخدام رسوم التخزين لبناء منشآت تخزين أكبر وأكثر جدوى اقتصادية.
لكن التغيير كان ينبغي أن يقتصر على الاستثمارات الجديدة، التي يمكنها احتساب تكلفة البطاريات في عقودها. أما الإضرار بالمشروعات القائمة، بجعل 40% من قدرتها الإنتاجية عديمة الفائدة، فلا معنى له. وقد رفضت محاكم في ولاية كارناتاكا المجاورة سابقًا تغييرات مماثلة بأثر رجعي.
وفي ماهاراشترا، وجد المنتجون المستقلون أنفسهم عالقين. فلن تُستكمل قواعد إنشاء أنظمة تخزين البطاريات قبل مارس من العام المقبل، ولا يُسمح لهم ببيع فائض الكهرباء خارج الولاية. وحتى تخزين الفائض في الشبكة سيصبح باهظ التكلفة وفق الرسوم المقترحة، ما قد يجبرهم على خفض الإنتاج نهاراً وخسارة عملاء مرتفعي القيمة لصالح شركة التوزيع الحكومية.
وقد يكون ذلك مكسباً قصير الأجل لشركة المرافق، لكنه قد يدفع المستثمرين في القطاعات التي تعتمد بشدة على الكهرباء، مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، إلى ولايات أكثر ترحيباً.
وعادة ما تُحال الخلافات حول قرارات الولايات التنظيمية إلى «محكمة استئناف الكهرباء». لكن بعد أن اتهم رئيس وزراء ماهاراشترا ديفيندرا فادنافيس الهيئة الوطنية بالانحياز «لصالح القطاع الخاص» في رسالة إلى رئيس الوزراء ناريندرا مودي، جُمّدت جلسات القضايا المتعلقة بشركة المرافق، وطُلب من مسؤولي الولاية توضيح ما إذا كانوا ما زالوا يثقون بالهيئة.
ويأتي هذا الجمود في توقيت سيئ للهند، التي تحتاج إلى تحقيق أقصى استفادة من طفرتها الشمسية. وبسبب القواعد الجديدة بأثر رجعي، قد تضطر مصانع تحولت إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية بنسبة 50% إلى تقليص استخدامها، والاعتماد ليلًا على كهرباء يُرجح أن تكون مولدة من الوقود الأحفوري.
ودفع كبار المستهلكين في القطاع الصناعي في الهند نحو 7 سنتات لكل كيلووات/ساعة العام الماضي، مقابل 6.8 سنت في الصين. وعند احتساب تعادل القوة الشرائية، نجد أن تكلفة الطاقة في الهند تبلغ ضعف تكلفتها لدى المنافسين، وهي فجوة مستمرة سلطت الضوء عليها لأول مرة وكالة الطاقة الدولية عام 2020.
وقد يكون النمو السريع للطاقة الشمسية قد ساعد الهند على تجاوز نقص الطاقة، لكن تقلب السياسات لا يزال يجعل الطاقة أكثر تكلفة مما ينبغي، سواء للصناعات التقليدية أو لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي المرتقبة.
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في الاقتصاد الآسيوي


