في بريطانيا، عادة ما يكون شهر سبتمبر من كل عام مناسباً لإخراج أوعية إطعام الطيور وملئها بالفول السوداني الغني بالدهون والبذور المغذية، لمساعدة الطيور الصغيرة على البقاء دافئة وبصحة خلال الخريف والشتاء، مما يحول الحدائق إلى مسرح للطيور الزائرة المتنوعة.
لكن اتضح أن تلك الهواية، التي تعتبر إحدى الهوايات الوطنية المفضلة في بريطانيا، قد تكون ضارة بقدر ما هي مفيدة. إذ أدى تفشي طفيلي يسبب داء المشعرات، الذي يزدهر في أحواض ومغذيات الطيور الرطبة ويقتل الطيور، إلى انخفاض أعداد بعض الأنواع بأكثر من 60%. وأصدرت الجمعية الملكية لحماية الطيور العام الحالي إرشادات بتقليل إطعام الطيور بين مايو وأكتوبر، وتنظيف أوعية الطعام بانتظام وتجنب استخدام أوعية إطعام الطيور المفتوحة والمسطحة خلال الشتاء.
وتدفع هذه الإرشادات إلى إعادة التفكير في عادة يتبعها أكثر من نصف الأسر البريطانية. وتشير التقديرات إلى أن البريطانيين يضعون للطيور سنوياً ما بين 50 ألفاً و150 ألف طن من البذور والمكسرات والدهون، وينفقون عليها سنوياً نحو 334 مليون جنيه إسترليني، أي 440 مليون دولار، وهو ما يقارب ضعف ما تنفقه بقية دول أوروبا مجتمعة.
وقد يعود ذلك بالنفع على البريطانيين، حيث يوفر لهم لحظات هادئة مع الطبيعة وسط الحياة المزدحمة، لكن هل تستطيع دولة تعشق الطوير التخلي عن تلك العادة إذا ثبت أنها ضارة ووضع مصلحة الطيور فوق رغبتهم في الاستمتاع بمشاهدتها؟
وقد بدأت القصة بالقبعات. ففي العصر الفيكتوري، كان الريش النادر والملون، بل والطيور الكاملة، مطلوباً بشدة لتزيين القبعات، ما دفع أنواعاً عدة من طيور الجنة إلى حافة الانقراض. وفي عام 1889، أسست إميلي ويليامسون، زوجة محامٍ تبلغ 34 عاماً، جمعية نسائية لحماية الطيور في مانشستر، بعد أن تجاهلها اتحاد علماء الطيور البريطاني الذي كان يضم رجالاً فقط. وحصلت الجمعية لاحقاً على الميثاق الملكي عام 1904.
وتعهد أعضاؤها بعدم المشاركة في تجارة الريش النادر، ودعوا إلى النظر إلى الطيور باعتبارها كائنات تستحق الرعاية، لا مجرد زينة. وخلال شتاء 1890-1891 القاسي، حثت الصحف البريطانيين على وضع الطعام للطيور لمساعدتها على النجاة من الصقيع. واكتشف البريطانيون أنهم يستطيعون إنقاذ الطيور والاستمتاع بمشاهدتها في حدائقهم، فتحولت الممارسة إلى هواية وطنية.
وحققت العادة نجاحاً باهراً، إذ تستقطب منصات إطعام الطيور العادية مجموعة متنوعة من الأنواع، مثل طيور الحسون الملونة، التي كانت نادراً ما تظهر في الحدائق. كما تتردد طيور نقار الخشب المرقط الكبير على أماكن إطعام الفول السوداني في الضواحي. وأسهم ذلك في تكوين أمة محبة للطيور تمول المحميات وتشارك في جهود الحفاظ عليها.
لكن الصورة الأوسع قاتمة. فقد أدى فقدان الموائل، لاسيما بسبب الزراعة، إلى انخفاض أعداد طيور الأراضي الزراعية بنحو الثلثين منذ 1970، وطيور الغابات بنحو الثلث، بينما تراجعت بعض الأنواع بأكثر من 90%. وفي الولايات المتحدة وكندا، اختفى نحو 30 في المئة من الطيور منذ 1970.
وفي مراجعة بحثية عام 2021، حذر الباحثون من أن الآثار العميقة لضخ آلاف الأطنان من الغذاء غير الطبيعي في بريطانيا. ووجد البحث أن طعام الحدائق أصبح العنصر الأكثر شيوعاً في غذاء طيور القرقف الأزرق، التي أصبحت تضع البيض قبل خمسة أيام، وتضع عدداً يقارب أربعة أضعاف ما تضعه نظيراتها الأخرى.
وقد يبدو ذلك نجاحاً، لكنه يضر بالطيور التي لا تزور الحدائق. فالعقعق والقرقف الأزرق والقرقف الكبير ليست طيوراً شريرة، لكنها أنواع تتمتع بالقدرة على التكيف والعدوانية والانتشار الواسع، وتنافس طيور الغابات على الغذاء ومواقع التعشيش. ووجدت دراسة أن القرقف الكبير البريطاني يبدو في طور تطوير منقار أطول، ربما ليتمكن من استخدام أوعية الأطعمة بكفاءة أكبر.
وأشارت الكاتبة المتخصصة في الحياة البرية، كيت برادبري، إلى مدى إغفالنا للأثر البيئي المترتب على استيراد واستهلاك كميات هائلة من طعام الطيور. وتساءلت عن الأرض التي استُخدمت لزراعة هذا الطعام، وعدد الطيور وغيرها من الحيوانات البرية التي فقدت موائلها لتنمو مكانها زراعة أحادية مليئة بالمبيدات، وعدد الأميال الجوية ومواد التغليف البلاستيكية التي يتطلبها نقل هذه الكميات الهائلة من الطعام.
ويبدو أن البريطانيين كانوا يخوضون «تجربة بيئية بريطانية كبرى» تتعلق بالطيور منذ أكثر من قرن، دون أي ضوابط أو خطط مدروسة. وقد ساعدوا الطيور على النجاة من فصول الشتاء القاسية، لكنهم تسببوا في مشكلة تراجع أعداد الطيور البرية إلى الغابات والأراضي الزراعية، وإلى الدول التي تمدهم باحتياجاتهم الضخمة من بذور الطيور.
لقد تجاوزت بريطانيا الحقبة الفيكتورية التي كانت تنظر إلى الطيور والعالم الطبيعي عامة كمجرد مصدر لمتعتها. لكنْ هناك تشابه بين تلك الحقبة وبين الحقبة الراهنة، حيث يستمتع البريطانيون بـ «طيور حدائقهم». ولا يزال عليهم تعلم النظر إلى الطبيعة باعتبارها كياناً يمكنه التواجد بذاته، بل يجب عليه ذلك. وعليهم أيضاً مقاومة الرغبة التدخل في شؤونه.وقد يرغب الكثير من البريطانيين أن يكونوا حماة وأوصياء على العالم المحيط بهم، ولكن لكي تتغير علاقتهم بالطبيعة تغييراً حقيقياً، عليهم النظر في تأثير أفعالهم ككل، لا الاكتفاء بالمشاهد الجميلة التي يرونها من نوافذهم فحسب.
ينشر بترتيب مع خدمة «نيويورك تايمز»
* كاتبة وصحفية بريطانية متخصصة في شؤون الطبيعة والحياة البرية


