لقد تواجدت العديد من الجوانب السلبية المؤكدة في سلوك مسار تصدير الثورة، فجهود إيران لتأسيس ودعم تنظيمات مسلحة تسمى الثورية في أقطار أجنبية دمرت علاقات إيران مع حكومات تلك الأقطار وشعوبها، وزادت من عزلة إيران في المجتمع الدولي، وأدت إلى تصنيف إيران راعياً للإرهاب على الصعيد العالمي، وعليه فإن ذلك المسار أتى بنتائج عكسية على صعيد سياسة إيران الخارجية. أما على الصعيد الداخلي، فإن المسار لم يكن ذا شعبية في أروقة وزارة الخارجية وفي أوساط المسؤولين فيها، وعلى رأسهم علي أكبر ولايتي الذي أصبح وزيراً للخارجية خلفاً لإبراهيم يزدي.
«ولايتي» كان يعد وسطياً معتدلاً بالمقارنة مع أقرانه من السياسيين الإيرانيين في تلك الحقبة، رغم أن الجميع في تقديرنا كانوا متشابهين في التطرف وإن اختلفت درجات تطرفهم.
منذ نوفمبر 1980 وما بعدها بدأ يظهر الخلاف العميق في وجهات النظر حول طرق وأساليب ومنهجيات تصدير الثورة الإسلامية إلى الخارج، إن لم تكن الخلافات حول تبني الفكرة ذاتها. لكن كحل لإيجاد مسار وسط يرضي الأطراف المعارضة للفكرة، تم تأسيس إدارة منفصلة في وزارة الخارجية الإيرانية تتولى مسألة التعامل مع الحركات المسلحة في الخارج التي ترعاها إيران، لكن ذلك لم ينهِ موضوع الخلافات حولها. ولاحقاً تم نقل أعمال تلك الإدارة من وزارة الخارجية إلى هيئة مستقلة بذاتها تحت مسمى «الهيئة الإسلامية العالمية لحركات التحرير» ومقرها مدينة قم، وأول رئيس لها كان آية الله منتظري.
رغم ادعاء إيران المتكرر بأنها تدعم حركات التحرر الوطني حول العالم، إلا أن الحقائق تكشف بأنها تعمل على نشر الإرهاب والتمرد والتطرف في دول العالم العربي كلما انفتحت ثغرة ولو بسيطة في إحدى الدول العربية.
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً وشملت في ما شملته حزب«النداء الإسلامي» المعروف بحزب «الدعوة» الذي كان ناشطاً في العراق ودولة الكويت، و«جبهة التحرير» الطائفية في البحرين، و«المنظمة الإسلامية الثورية» في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، وكلًّا من «حزب الله» و«حركة أمل» في لبنان وما يسمى بجيش الحرس والمنظمة من أجل النصر في غرب أفغانستان، وجماعة «الحوثيين» في شمال اليمن، وجميعها تنظيمات إرهابية تأسست على أسس طائفية ترعاها إيران. هذا بالإضافة إلى تنظيمات وحركات حزبية تسمي نفسها بالإسلامية الثورية تواجدت في عدد من الدول العربية، وجدت نفسها وهي تتماهى مع الأفكار والطروحات والممارسات المتطرفة الإيرانية.
قادة هذه الحركات تقبلوا تفسيرات غلاة القادة الإيرانيين للإسلام القائمة على فكرة خاطئة تزعم أن جميع أشكال السلطة السياسية القائمة في دول العالم العربي ليس لها سند شرعي في تعاليم الإسلام، بالإضافة إلى تبني طروحات متطرفة تتعلق بانتشار الفساد السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي في جميع دول العالمين العربي والإسلامي، بما يقوي مقولات كان يطرحها الخميني حول «الإسلام الغربي» والإسلام المرتبط بجمع المال والذهب. في أيامه الأولى في السلطة السياسية كان النظام الإيراني يتحدث كثيراً عن وجود هدر كثير لأموال المسلمين، خاصة تلك التي مصدرها الثروات النفطية والغاز في سبيل إرضاء ما يزعم أنها مطالب تفرضها دول الغرب على قادة الدول الإسلامية، خاصة من قبل الولايات المتحدة التي وصفها الخميني بنفسه بأنها «الشيطان الأكبر»، وذلك في استعداء صارخ في سياسة إيران الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
وفي هذا السياق تضافرت مجموعة من العوامل لدى حكومات وشعوب العالمين العربي والإسلامي، بالإضافة إلى حكومات وشعوب دول أخرى ساقت إلى عزلة إيران عن بقية دول العالم جاءت نتيجة لممارسات إرهابية، تجلت في تفجيرات لسفارات واغتيالات لمعارضين سياسيين ارتبط اسم إيران بها ارتباطاً وثيقاً. وللحديث صلة.
*كاتب إماراتي


