أعلن «مصرف لبنان» فتحَ حساب خاص ومستقل باسم «حساب استرداد الودائع»، تُحَوّل إليه حصراً الأموال التي يتم استردادُها لمصلحة المصرف، سواء عبر أحكام قضائية أو من خلال تسويات قانونية أو إجراءات أخرى داخل لبنان وخارجه. كما أعلن عن فتح حساب لدى المصارف المراسلة، مع تأكيد فصل هذه الأموال مالياً ومحاسبياً عن بقية موارده، وعدم جواز استخدامها لغايات أخرى.
وقد حمل هذا الإعلانُ ثلاثة أبعاد أساسية:
أولاً؛ البعد القانوني، ويتعلق بتخصيص الأموال التي يمكن استردادها من خلال الدعاوى القضائية والتحقيقات والتسويات القانونية.
ثانياً؛ البعد المحاسبي، ويتعلق بإنشاء آلية منفصلة، لتسجيل الأموال المستردّة وتتبّعها، بما يساعد على الرقابة والمساءلة.
ثالثاً؛ البعد المالي، ويتصل بتوفير قناة يمكن أن تساهم في تمويل سداد الودائع، شرط أن تتحقق استرداداتٌ فعلية، وأن تكون قابلة للتحويل إلى سيولة. لكن النقطة الحاسمة أن «المركزي» لا يعلن عن رصيد ابتدائي مجمد في الحساب، ولا يكشف عن قيمة الأموال المتوقع استردادها، أو حجم الدعاوى التي يمكن أن تنتهي بتحصيل مبالغ فعلية، أو جدول زمني للدفع للمودعين. وبالتالي، فالحساب يمثل آليةً لجميع الأموال المستردة، وليس مصدراً مستقلاً لإنتاج الأموال، فإذا لم تسترد أموال جديدة فلن يكون مجرد وجود الحساب كافياً لتمويل دفعات جديدة.
ولفهم قدرة لبنان على إعادة الودائع لابد من العودة إلى حجم الأزمة. لقد بلغت ودائعُ العملاء في القطاع المصرفي 88 مليار دولار في نهاية العام 2024، بعد تراجعها بأكثر من النصف خلال السنوات الخمس السابقة. وبلغت المدفوعات، بموجب التعميمين 158 و166، نحو 6.109 مليار دولار حتى نهاية مارس الماضي، منها 4.183 مليار دولار دفعها البنك المركزي، و1.926 مليار دولار دفعتها المصارف. وهذه المبالغ المدفوعة لا تمثل تسويةً كاملة للودائع، بل مدفوعات جزئية ضمن آليات محددة. وهكذا يظهر وجود فارق كبير بين الأموال التي يعلن مصرف لبنان أنه يسعى إلى استيعابها، والأموال التي يمكن فعلياً تحصيلها وتحويلها إلى حسابه.
لا شك في أنه لا يمكن معالجة أزمة الودائع من خلال مصرف لبنان وحده، لأن الأزمة نتجت عن تداخل التزامات المصارف التجارية مع المصرف المركزي والدولة اللبنانية نفسها، وعن سياسات مالية ونقدية تراكمت على مدى سنوات.
وهذه الأزمةُ تطرح ثلاثةَ أسئلة لا يمكن تجاوزها: ما هو حجم الخسائر التي تتحملها المصارف التجارية بعد تقييم موجوداتها والتزاماتها؟ وما هو حجم الالتزامات التي تقع على مصرف لبنان ؟ وما هو مقدار المساهمة التي يمكن التي يمكن للدولة اللبنانية تنفيذها؟وفي هذا السياق، يشدد صندوقُ النقد الدولي على أن مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع، يمثل خطوةً أولى، لكنه يحتاج إلى تحسينات أبرزها احترام ترتيب تحمّل الخسائر، بحيث يتحمّل المساهمون والدائنون الأدنى مرتبةً خسائرَهم قبل تحميل المودعين خسائرَ إضافية، مع مراعاة السيولة المتاحة، واستدامة الدَّين العام.
وبعد فتح «حساب استرداد الودائع»، وهو يحمل قيمة قانونية ومؤسسية، فالسؤال المطروح هو: هل يستطيع لبنان استردادَ الودائع فعلاً؟ والجواب الموضوعي هو أن الاسترداد التدريجي ممكن من الناحية الاقتصادية، لكن استرداد الودائع كاملةً، وبقيمتها النقدية الأصلية ليس أمراً يمكن ضمانه بمجرد فتح الحساب أو إصدار تعهدات سياسية. فهو يتطلب تحديداً نهائياً للفجوة المالية، وتوزيعاً عادلا وقابلا للتنفيذ للخسائر، ومساهمات واضحة من الأطراف المسؤولة، وإعادة هيكلة المصارف، وموارد نقدية فعلية، وجدول سداد يمكن الالتزام به.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


