«صادم.. لكنه ليس مفاجئاً». هذا هو الوصف الأدق لرد فعل أوكرانيا وحلفاء أميركا القدامى في أوروبا على إعلان الرئيس دونالد ترامب عن رفع العقوبات الأميركية، وعقده اتفاقاً لشراء ملايين الأطنان من وقود الديزل من روسيا.

وتكمن الصدمة في المفاجأة والتوقيت ومدى التحول في سياسة ترامب؛ إذ جاءت الخطوة بينما كان مفاوضون أميركيون وأوكرانيون وأوروبيون يناقشون إطاراً لإنهاء الحرب، وبعد أسابيع قليلة من توقيعه مشروع قانون أقره مجلس الشيوخ بالإجماع لتشديد العقوبات على صادرات النفط الروسية. كما جاءت في وقت تسببت فيه الحرب مع إيران في نقص حاد بأوكرانيا في صواريخ الاعتراض الأميركية الصنع من طراز «باتريوت»، الضرورية للدفاع عن نفسها أمام الهجمات الجوية. وتواجه كييف خطر موجات مدمرة من الهجمات الشتوية على منشآت الكهرباء والطاقة. لكن ما يقلق القادة الأوروبيين أكثر هو الجانب غير المستغرب من هذا التحول، إذ يعزز مخاوفهم المتنامية بشأن مستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة على المدى الطويل.

وعلى المدى القريب، لا يزال الأوروبيون يأملون في احتواء أسوأ التداعيات على كييف، فهم سبق أن شهدوا هذا السيناريو من قبل. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، مال ترامب مراراً إلى روسيا، في ظل توتر بدأ في فبراير 2022، بينما مارس ضغوطاً على كييف، قبل أن يميل نحوها مجدداً. وفي بداية ولايته الثانية، ضغط ترامب ونائبه جيه دي فانس على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام الكاميرات في المكتب البيضاوي وأوقفا مؤقتاً تزويد أوكرانيا بمعلومات استخباراتية حيوية.

ورد الأوروبيون  مجددين دعمهم لأوكرانيا، ومساعدين زيلينسكي على ترميم علاقته بترامب وإعادته إلى الجهود المشتركة للتوصل إلى سلام مستدام. كما أوجدوا وسائل لمواصلة دعم كييف بما يتقبله ترامب، أبرزها برنامج تشتري أوروبا بموجبه الأسلحة والمعدات الأميركية اللازمة لمساعدة أوكرانيا على مواصلة القتال. وزادوا إنفاقهم الدفاعي ودعمهم العسكري لكييف، رغم إدراكهم عجزهم حتى الآن عن تعويض انسحاب أميركي كامل. وهذا هو النهج الذي يتمسكون به منذ صفقة الديزل مع موسكو. فلطالما أكد القادة الأوروبيون دعمهم لأوكرانيا، وطالبوا بتشديد العقوبات على روسيا لا تخفيفها.

واستقبل رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام زيلينسكي الأربعاء الماضي في مقر الحكومة بداونينغ ستريت، وأعلن تسريع تسليم أسلحة بريطانية قادرة على اعتراض أحدث الطائرات المسيرة الروسية النفاثة. ويأمل الأوروبيون أن يتراجع ترامب عن تقاربه مع موسكو، أو يؤجله على الأقل، سواء استجابة لمخاوفهم ومخاوف أوكرانيا، أو لضغوط بعض «الجمهوريين» في الكونجرس. إلا أن هناك تقارير ظهرت منذ صفقة الديزل تشير إلى احتمال أن توقف واشنطن مجدداً تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية، إذا لم تستجب لإصرار ترامب على وقف هجماتها على مصافي النفط داخل روسيا.

وقال ترامب منذ أيام، إن المعلومات الاستخباراتية لا تزال تُقدم لكييف، فيما ألمح زيلينسكي إلى تقليصها. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، عن جنود أوكرانيين أن وصولهم إلى نظام «ستارلينك» للأقمار الصناعية التابع لإيلون ماسك أصبح مُقيداً. وسيحرص الأوروبيون على استعادة زخم المفاوضات بشأن إطار السلام الذي ناقشوه مع المبعوثين الأميركيين الأسبوع الماضي. ووفقاً لصحيفة «واشنطن بوست»، يتضمن الإطار تنازلات صعبة من الطرفين، لكنه يمنح أوكرانيا ضمانات أمنية غربية بعد الحرب، وهي مطلب يسعى زيلينسكي إلى تحقيقه منذ فترة طويلة.

وقد ازداد اقتناع الأوروبيين بأن دونالد ترامب يتبنى رؤية مختلفة تماماً، تصفها استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026، بأن روسيا تمثل «تهديداً يمكن احتواؤه»، وأن الروس «ليسوا في وضع يسمح لهم بالسعي للهيمنة على أوروبا».

ومع ذلك، فإن تركيز أوروبا على التعامل مع التحول الأخير في سياسة ترامب لم يبدد مخاوفها العميقة وطويلة الأمد. فتفضيل ترامب إمدادات الديزل على العقوبات يؤكد، في نظر قادتها، أن الولايات المتحدة لم تعد تشاركهم رؤيتهم للتحديات الأمنية في القارة. 

وهم على يقين بأنه إذا خرج بوتين من الحرب بما يمكن اعتباره نصراً حقيقياً، فسيشكل حينها تهديداً مباشراً وواضحاً لدول أوروبية أخرى. كما أن ترامب يرى أوكرانيا طرفاً مكافئاً لروسيا في حرب يريد تسويتها.

ولم تبدد الأيام الأخيرة هذه المخاوف، حيث أن بضغطه على زيلينسكي، ألمح ترامب مجدداً إلى أن أوكرانيا، لا روسيا، هي المسؤولة عن دخول الحرب عامها الخامس، وقال عن الرئيس الأوكراني: «كان بإمكانه إبرام العديد من الاتفاقات، لكنه، لسبب ما، لا يفعل ذلك أبداً».

ينشر بترتيب مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

كاتب متخصص في الشؤون الدولية والدبلوماسية.