حدثت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ ثلاث سنوات على غزة تحولاً عميقاً على مستويات متعددة، ترتبط جميعها بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وتتمثّل أبرز هذه التأثيرات في تغير الرأي العام الأميركي. فرغم أن نظرة الأميركيين إلى إسرائيل تتراجع منذ أكثر من 15 عاماً، فإن الطريقة التي أدارت بها إسرائيلُ الحربَ، سرّعت هذا الاتجاهَ وعمّقته، وأضفت عليه أبعاداً جديدة. وقبل ثلاثة عقود، أظهرت استطلاعات الرأي أن الأميركيين ينظرون إلى إسرائيل بإيجابية كبيرة، بينما كانت نظرتهم إلى الفلسطينيين أقل إيجابية.
ومع ذلك، كانت هناك أغلبية تعارض سياسات الحكومة الإسرائيلية المتمثلة في انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، ومواصلة بناء المستوطنات في الضفة الغربية. وقد تعمَّقت هذه الفجوة بين التعاطف مع إسرائيل ورفض سياساتها في أوساط «الديمقراطيين» خلال إدارة باراك أوباما، رداً على رفض إسرائيل إصرارَ الرئيس أوباما على تجميد الاستيطان. واتّسعت الهوة الحزبية في المواقف الأميركية تجاه إسرائيل خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، رداً على تبني الرئيس الكامل لموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي. لكن حتى في تلك الفترة، ظلّت التقييماتُ الإيجابية لإسرائيل بين الأميركيين أعلى من نظيرتها للفلسطينيين. وفي أعقاب الهجوم الصادم الذي شنَّته حركة «حماس» عبر الحدود على مدنيين إسرائيليين في 7 أكتوبر 2023، قدّم الرئيس الأميركي جو بايدن نصيحةً مهمةً إلى إسرائيل. وإذ أكد تفهمه لألم الإسرائيليين وصدمتهم جراء ما تعرضوا له، فقد حذّرهم من تكرار الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر.
ففي أعقاب تلك الهجمات الإرهابية، حظيت الولايات المتحدة بدعم جانب كبير من العالم، لكن إدارة جورج بوش الابن تجاهلت هذا التأييد، وبدلًا من ذلك غزت أفغانستانَ والعراقَ واحتلتهما، مما أسفر عن مقتل مئات الآلاف وأفقدها الدعم في أنحاء العالم. تجاهل بنيامين نتنياهو نداءَ بايدن العلني، وشن هجوماً انتقامياً ضد سكان غزة وبنيتها التحتية. وأثار العنفُ الإسرائيلي المفرط رعبَ شريحة واسعة من الأميركيين، وأحدث تحولاً في مواقفهم تجاه إسرائيل، ترتبت عليه تداعيات أعمق. لم يعُد الأميركيون يتعاطفون مع إسرائيل بل أصبحوا يعارضون سياساتِها، حيث أظهرت استطلاعاتُ الرأي الأخيرة أن التقييمات السلبية لإسرائيل تفوق الإيجابية. بل إن التقييمات الإيجابية للفلسطينيين باتت أعلى من نظيرتها للإسرائيليين. ويتجلى هذا التحول بوضوح أكبر في أوساط الديمقراطيين، إذ يحمل 80% منهم نظرةً سلبية تجاهَ إسرائيل. وكان لهذا التحول أثرٌ سياسي ملموس. ففي المراحل الأولى من الصراع، عندما رفضت إدارة بايدن التحركَ لوقف الحرب الإسرائيلية، حشد ائتلافٌ تقدمي أنصارَه ليس في الجامعات فحسب، بل أيضاً في أكثر من 300 مدينة في أنحاء الولايات المتحدة، مطالِباً بوقف إطلاق النار.
وجمع هذا الائتلافُ الشبابَ والأقلياتِ العرقية والتقدميين. وظهر تأثيرُه في انتخابات عام 2024، إذ تشير الأدلة إلى أن الحملة «الديمقراطية» خسرت على الأرجح جزءاً من دعم الناخبين بسبب رفضها الاستجابة لمطالب الحركة بتحقيق العدالة. وامتد تأثير هذا الائتلاف إلى تصويتات الكونغرس والانتخابات التي جرت العام الحالي. ففي مجلس الشيوخ الأميركي، صوت 40 من أصل 47 عضواً ديمقراطياً لصالح منع إرسال بعض الإمدادات العسكرية إلى إسرائيل، واتخذ أكثر من 40% من الديمقراطيين في مجلس النواب الموقفَ نفسَه. وفي الانتخابات الداخلية المحتدمة على الترشح لمقاعد الكونغرس، فاز أكثر من 12 مرشحاً مؤيداً للفلسطينيين. ومن المجالات الأخرى التي تركت فيها ممارسات إسرائيل أثراً عميقاً الجالية اليهودية الأميركية. فبعد أن ساد اعتقادٌ بأن اليهود الأميركيين يتبنون مواقف الحكومة الإسرائيلية دون تحفظ، باتت الجالية اليوم منقسمة بشدة.
وأظهر استطلاع لصحيفة «واشنطن بوست» انقساماً متساوياً في آراء اليهود الأميركيين بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة، بينما كشف استطلاع أجراه معهد الناخبين اليهود أن 50% من اليهود الأميركيين يؤيدون وقف المساعدات الأميركية لإسرائيل، مقابل 40% فقط يرغبون في استمرارها. وأثار كل ذلك رد فعل لدى المؤيدين لإسرائيل، وهم يضخون مئات ملايين الدولارات لإسقاط المرشحين المؤيدين للفلسطينيين. وحتى الآن، لم تنجح تحركاتُهم، رغم أنها تسببت في معاناة حقيقية لبعض المرشحين والطلاب، وأثارت انقسامات داخل المجتمع نفسه، دون أن تستطيع إحداثَ أي تغيير جوهري.
*رئيس المعهد العربي الأميركي


