حين تعجز موازين القوة عن صناعة السلام، تصبح القيادة الدولية امتحاناً للبصيرة السياسية والقدرة على إدارة الأزمات. وفي قلب هذا الامتحان، تتقدم الإمارات بترشيح معالي لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، حاملةً إلى العالم خبرةً دبلوماسيةً تشكّلت في مجلس الأمن ومفاوضات القوى الكبرى. إنها ثمرة رؤية استراتيجية رسّختها القيادة الرشيدة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأثمرت كفاءاتٍ قادرةً على تحمل مسؤوليات دولية في مرحلة يواجه فيها النظام العالمي أحد أعقد اختباراته.
ويحمل الحدثُ دلالةً تاريخيةً لافتة، إذ تتقدم امرأة عربية إماراتية للمنافسة على قيادة منظمة لم تتولَّ امرأةٌ أمانتَها العامة منذ تأسيسها عام 1945. وتستند لانا نسيبة في هذا الاستحقاق إلى مؤهلاتها وسجلها المهني، بما يعكس أهميةَ الجدارة والخبرة في اختيار القيادات القادرة على إدارة الملفات الدولية المعقدة.وقد أرست الإماراتُ ثقافةً مؤسسيةً تقوم على تكافؤ الفرص والثقة بالقدرات الوطنية، وفتحت أمام الشباب والمرأة مجالاتٍ واسعةً للقيادة وإدارة الشأن العام. وامتد أثرُ هذه السياسة إلى العلوم والاقتصاد والتكنولوجيا والفضاء والدبلوماسية، حيث ارتبط تقدم الكفاءات بالتأهيل والإنجاز وتحمل المسؤولية. ومن هذه البيئة نشأت أجيالٌ تَجمع بين الاعتزاز بهويتها والانفتاح على العالم.
وتولَّت لانا نسيبة تمثيلَ الإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، وترأّست مجلس الأمن مرتين خلال عضوية بلادها فيه، وشاركت في جهود دولية تتصل بإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة ومواجهة خطاب الكراهية المحرِّض على إثارة النزاعات. وقد منحتها هذه المسيرةُ معرفةً دقيقة بآليات التفاوض، وحسابات المصالح، ومسارات بناء التوافق داخل المؤسسات متعددة الأطراف. وتنتمي تجربتُها إلى مدرسة دبلوماسية إماراتية جعلت التسامحَ والحوارَ وبناءَ الشراكات مرتكزاتٍ لعلاقاتها الدولية، مستندةً إلى استقرار الدولة وصلابة مؤسساتها. وقد تجلّت هذه الصلابة خلال الاعتداءات الإيرانية على الإمارات، حين أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ثباتَ الوطن بقوله: «الإمارات جلدها غليظ ولحمها مر». وتحمل هذه الكلماتُ رسالةً واضحةً حول قدرة الدولة على حماية سيادتها وأمن شعبها والمقيمين على أرضها، وحول رسوخ موقفها في الدفاع عن الوطن خلال أصعب الظروف.ويأتي هذا الاستحقاقُ في مرحلة تتسع فيها الفجوة بين مقتضيات القانون الدولي وموازين القوة، وتكشف النزاعات الممتدة عن أثر الانقسامات داخل مجلس الأمن في تعطيل الاستجابة للأزمات. فقد أصبحت فاعلية الأمم المتحدة مرتبطة بقدرتها على إدارة الخلافات بين القوى الكبرى، وتطوير الدبلوماسية الوقائية، وتحويل القرارات إلى نتائج ملموسة تحمي الإنسان وتصون السلم الدولي.
وتحتاج هذه المرحلة إلى قيادة تمتلك عيناً بصيرة تستشرف المخاطرَ، وإلى عقل استراتيجي يستوعب التحولات، وإلى مهارة تفاوضية تعيد بناءَ الثقة بين الأطراف المتنافسة. وتكتسب الخبرةُ الدبلوماسيةُ قيمتَها من فهم المصالح المتباينة وصياغة التفاهمات القابلة للتنفيذ، في عالم تتشابك فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والإنسانية.
وسيظل اختيار أمين عام الأمم المتحدة خاضعاً لتوازنات مجلس الأمن وإجراءات الأمم المتحدة. وفي هذه المنافسة تَبرز تجربةُ لانا نسيبة بوصفها امتداداً لحضور إماراتي متنامٍ في العمل متعدد الأطراف، قائم على المعرفة بمؤسسات النظام الدولي والانخراط في قضاياه المعقدة.
لقد استطاعت الإماراتُ أن تهيئ كفاءاتٍ تحمل إلى المحافل العالمية خبرةَ وطن اكتسب مكانتَه بالإنجاز، ورسّخ حضورَه بالثقة، ووسّع آفاقَه بالحوار والشراكات. وفي زمن يبحث فيه العالَمُ عن مسالك جديدة للسلام، تتقدم لانا نسيبة بسجل دبلوماسي يعكس هذه التجربةَ، وبطموح إلى الإسهام في استعادة فاعلية الأمم المتحدة وقدرتها على خدمة الشعوب وصون الأمن والاستقرار.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة


