جاءت زيارة رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى الهند الأسبوع الماضي كأول زيارة يقوم بها رئيس وزراء بولندي إلى البلاد منذ 16 عاماً. وقد شكّلت هذه الزيارةُ مثالاً إضافياً على التوجه المتزايد لدى أوروبا للنظر إلى الهند ليس كشريك اقتصادي فحسب، بل كشريك استراتيجي أيضاً، وذلك في ظل المساعي الرامية إلى تنويع الروابط التجارية والاستراتيجية في ظل نظام عالمي يتسم بعدم اليقين واضطرابات في سلاسل التوريد.
وكشفت حرب أوكرانيا، ثم حرب إيران، عن مدى الاضطراب في سلاسل التوريد التجارية. كما تلقّت دولُ العالَم تحذيراً جراء الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة. فعندما فرضت الصينُ قيوداً على تصدير المعادن الأرضية النادرة في خضم نزاعها التجاري مع الولايات المتحدة، طالت التداعياتُ دولاً أخرى. وفي ظل هذه الظروف، بدأت الدولُ الناشئةُ وذات الاقتصادات المتوسطة في تنويع علاقاتها التجارية والاستراتيجية.
لذا تكتسب زيارةُ رئيس الوزراء البولندي أهميتَها، إذ تأتي ضمن سلسلة زيارات قام بها قادة أوروبيون إلى الهند. وقد اصطحب توسك معه وفداً رفيع المستوى ضم أكثر من 100 من كبار الرؤساء التنفيذيين وممثلي قطاعات الصناعة. وعقدت الشركاتُ البولنديةُ لقاءاتٍ مع نظيراتها الهندية لاستكشاف الفرص المتاحة في السوق الهندية.
وشجّع الزعيمان القطاع الخاص في البلدين على استكشاف فرص إقامة شراكات في قطاعات متنوعة، تشمل الآلات الصناعية والدفاع والبنية التحتية والأدوية والتعدين والمعادن الحيوية والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى جانب مجالات أخرى.
وكانت آخرُ زيارة رفيعة المستوى بين البلدين قد جرت عندما زار رئيسُ الوزراء الهندي ناريندرا مودي بولندا عام 2024. وفي ذلك الوقت، ارتقى مستوى العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، واعتمدت الدولتان خطةَ عمل هندية بولندية للفترة 2024-2028.
وأقرّ الزعيمان بالمراجعة المرحلية لخطة العمل، التي أجراها وزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي في وارسو في سبتمبر 2026. وكانت خطة العمل، التي تمثِّل خريطة طريق لخمس سنوات، قد اعتُمدت خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي. وبموجبها، اتفق البلدان على إجراء زيارات رفيعة المستوى وحوار سياسي سنوي، إلى جانب الاتفاق على توسيع التجارة الثنائية وتحقيق التوازن فيها.
وخلال الزيارة، اتفق رئيسا الوزراء على مضاعفة حجم التجارة الثنائية ليصل إلى نحو 10 مليارات دولار بحلول عام 2030، وتعميق التعاون في مجالات الدفاع والفضاء والطاقة النووية. وفي إطار السعي إلى تعزيز التعاون الدفاعي، أطلق الجانبان حواراً بشأن الصناعات الدفاعية، لتشجيع التطوير والإنتاج المشتركين في القطاعات الاستراتيجية، ووضع اللمسات النهائية على اتفاق لتبادل المعلومات السرية وحمايتها. كما اتفق الطرفان على استكشاف إقامة شراكات في مجالات المعادن الحيوية، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا المستدامة.
وتهدف تلك القراراتُ جميعُها إلى توثيق العلاقات، والتي يتوقع أن تشهد نمواً أكبر بمجرد دخول اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي حيزَ التنفيذ، وهي الاتفاقيةُ التي اختُتمت المفاوضاتُ بشأنها في يناير الماضي بعد سنوات من المباحثات، ومن المنتظر أن تسهم في تعزيز التبادل التجاري بين الجانبين.وتنشئ اتفاقيةُ التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي سوقاً مشتركةً ضخمةً تضم ملياري نسمة، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي المجمّع فيها نحو 24 تريليون دولار، بما يعيد تشكيلَ تجارة السلع والخدمات بين الجانبين بصورة جوهرية.
وسيلغي الاتحادُ الأوروبي الرسومَ الجمركية على ما يتراوح بين 90% و99.5% من قيمة صادرات الهند، مما يتيح إعفاءً فورياً من الرسوم الجمركية لنسبة 90.7% من صادرات الهند. وهذا يعني أن الهند ستكتسب ميزةً تنافسيةً على منافسيها التجاريين في القطاعات كثيفة العمالة، مثل المنسوجات والملابس والجلود والأحذية والأحجار الكريمة والمجوهرات والمنتجات البحرية. ولهذا شهد العامُ الجاري سلسلةً من الزيارات الأوروبية إلى الهند، كانت زيارة دونالد توسك أحدثها.
وقد شملت قائمةُ الزيارات رفيعةُ المستوى من أوروبا زيارةَ رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، وذلك في يناير الماضي. وفي الشهر ذاته، زار المستشار الألماني فريدريش ميرتس الهند. وفي مايو الماضي، زار الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس الهند، تلاه رئيس الاتحاد السويسري غاي برميلين. وفي سبتمبر الماضي، زار رئيسُ وزراء مملكة بلجيكا، بارت دي ويفر، الهندَ.
وتأتي هذه الزياراتُ في وقت تشهد فيه العلاقاتُ الأوروبيةُ الأميركيةُ اضطراباتٍ، إذ طالبت الولاياتُ المتحدةُ الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي، كما استخدمت الرسومَ الجمركيةَ للضغط على الدول الأوروبية.
وفي خضم هذه التطورات، يتجه الأوروبيون بصورة متزايدة نحو آسيا. وتوفر الهندُ بديلاً قابلاً للتطبيق، نظراً إلى امتلاكها سوقاً ضخمةً وسعيها إلى تطوير قطاعات مثل الطاقة النووية المدنية والتصنيع الدفاعي.
وخلال لقائه، سلّط رئيسُ الوزراء البولندي الضوءَ على آفاق التعاون في صناعة الشحن والأمن البحري. وأشار الزعيمان إلى أن التعاون في الموانئ يمكن أن يسهم في تطوير شبكة آمنة ومرنة ومتكاملة، تعمل على تنويع سلاسل الإمداد العالمية، وتقليص أوقات العبور، وحماية البنية التحتية الحيوية من الاضطرابات الجيوسياسية.
ومِن شأن إقامة روابط قوية مع بولندا أن تشكّل ركيزةً لعلاقاتِ الهند مع أوروبا الوسطى والشرقية على وجه الخصوص. وقد أضافت زيارةُ رئيس الوزراء البولندي ثقلًا اقتصادياً ودفاعياً إلى العلاقات الهندية البولندية، وبالتبعية إلى علاقات الهند مع أوروبا ككل.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي


