يوم الخميس الماضي، نفّذ قراصنة يُشتبه في أنهم من كوريا الشمالية أكبر عملية سرقة للعملات الرقمية في التاريخ. فبعد اختراق حساب واحد في شركة «باينانس» العملاقة للعملات الرقمية وسرقة 2.5 مليار دولار، تمكّن القراصنة من اختراق 10 حسابات أخرى خلال 12 دقيقة فقط، لتبلغ قيمة المسروقات الإجمالية 6.3 مليار دولار، وفقاً للشركة.
لكن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ. فقد صرحت شركة «بلوك إيد» للأمن السيبراني، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، بأنها رصدت الاختراق خلال أقل من دقيقتين، وأخطرت عملاءها خلال ساعة. وتتبعت شركات عملات مشفرة أخرى نحو 3 مليارات دولار من المسروقات وجمّدتها.
ومثلما أحدثت خطوط التجميع ثورة في التصنيع، يُغير الذكاء الاصطناعي طبيعة المنافسة بين المخترقين وشركات الأمن السيبراني، مما يتيح للطرفين سرعة ونطاقاً أكبر وتدخلاً بشرياً أقل. ورغم عدم ثبوت استخدامه في اختراق «بينانس»، فإن حجمه يثير قلق عالم المال من مخاطر التكنولوجيا على المؤسسات.
ويمنح «وكلاء الذكاء الاصطناعي» المخترقين القدرة على أتمتة الهجمات واستهداف أهداف أكثر، من الحسابات المصرفية إلى الهوية، بمساعدة بشرية ضئيلة أو دونها. وتستخدم شركات الأمن السيبراني الأدوات نفسها لتسريع جهودها وحماية البيانات. ويقول براندون تيرادو، مسؤول عمليات الأمن السيبراني في شركة «ريليا كويست» ومقرها تامبا، إنه على العالم أن يدرك وقوع هجوم إلكتروني مسألة وقت فحسب، وليس مسألة ما إذا كان سيقع أم لا.
وخلال النصف الأول من 2026، خسرت شركات العملات المشفرة نحو 1.1 مليار دولار في 212 حادثة اختراق موثّقة، وفقاً لشركة «بلوك إيد»، أي أكثر من ثلاثة أمثال الهجمات عام 2025.
ويساعد وكلاء الذكاء الاصطناعي الشركات على اكتشاف الثغرات قبل استغلالها من المخترقين. ففي الأسبوع الماضي، نسقت شركات إصلاح ثغرات لغة «بي إتش بي»، المستخدمة في 70% من مواقع العالم. كشفها الوكلاء العام الحالي، وأُبقيت سرية حتى إيجاد حل لها.
ويقول تيرادو إن تسرب أنباء الثغرات عرقل طرح الإصلاح، ودفع شركات وحكومات إلى إغلاق مواقعها. لكن تم تطبيق الحل قبل أن يكتشف المخترقون ثغرات لغة «بي إتش بي».
لكن على الجانب السلبي، يمكن للمخترقين استخدام نفس الوكلاء لاكتشاف ثغرات البرامج واستغلالها لاحقاً.
ففي سبتمبر الماضي، بدأت مجموعة قرصنة تُعرف باسم «ستورم-0940» استخدام حزمة آلية لاختبار الاختراق، تستخدمها شركات الأمن السيبراني لاكتشاف الثغرات. ووفق تقرير «مايكروسوفت»، استخدمت المجموعة النظام لأتمتة هجمات على مئات المؤسسات في قطاعات الطيران والفضاء والدفاع والسيارات والكيماويات والمال، ومؤسسات حكومية ومراكز أبحاث ومنظمات غير ربحية. ووصل إلى أنظمة سحابية عدة، خلال ثلاث ساعات أحياناً.
وفي هجوم على «كونيكت وايز» شهر أكتوبر، استخدم القراصنة بيانات دخول تطبيقات مخترقة لمحاولة اختراق أكثر من 2250 حساباً للعملاء. كما شنوا في عملية أخرى 2900 محاولة دخول في الدقيقة إلى حسابات «مايكروسوفت». ورغم فشل المحاولات، وجدت الشركة أدلة على حصول المهاجمين على صلاحيات مميزة بأنظمة سحابية لمؤسسات أخرى.
وتوقع التقرير أن يستخدم مهاجمون ذوي مهارات محدودة خلال 12 شهراً الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء لشن هجمات بفاعلية ونطاق لم يكن متاحاً سابقاً إلا للجماعات الإجرامية المنظمة أو الجهات المرتبطة بالدول.
وارتفع متوسط الهجمات السيبرانية الأسبوعية في سبتمبر 16% عن أغسطس و48% عن العام السابق، وفقاً لـ«تشيك بوينت ريسيرش». وليس كل الهجمات قائماً على الذكاء الاصطناعي، لكن التكنولوجيا تسهل على الأقل مهارة استهداف المزيد من المؤسسات.
وأضاف «بنك أوف أميركا»، ثاني أكبر بنوك الولايات المتحدة، ألف متعاقد في الربع الثاني إلى فريق أمنه السيبراني البالغ 3 آلاف شخص، لسد الثغرات ومواجهة القراصنة المدعومين بالذكاء الاصطناعي، وفق رئيسه التنفيذي برايان موينيهان. وأنفق أكثر من 200 مليون دولار في الربع الثالث على هذه الجهود والامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال.
ويقول عالم الحاسوب بجامعة نورث وسترن، في. إس. سوبرامانيان: «الشركات التي تفعل ذلك ستتقدم، أما المترددة فتخاطر بأن يسبقها الأشرار». ولا يزال الجدل قائماً بشأن الطرف المستفيد من الذكاء الاصطناعي: المخترقين أم المدافعون.
ويقول بروس شناير، الباحث بمركز «بيركمان كلاين» للإنترنت والمجتمع في جامعة هارفارد، ومؤلف أكثر من 12 كتاباً عن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والثقة: «توزع مايكروسوفت تكلفة اكتشاف الثغرات على جميع عملائها، فتقل كلفتها على المدافع مقارنة بالمهاجم. لكن المدافع أبطأ، فاكتشاف الثغرة واستغلالها أسرع من اكتشافها وإصلاحها».
*كاتب متخصص في قضايا الاقتصاد والتكنولوجيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


