لا تنهار الأسواق يوم يخسر الناس أموالهم. إنها تنهار قبل ذلك بكثير، يوم يكفّون عن التمييز بين القيمة والسعر. عندها يقف المستثمر الواعي في الطابور ذاته مع المقامر، ويتساوى الرصين في حساباته والحالم بثروة تهبط عليه بين ليلة وضحاها. ترتفع الأسعار لأن الناس يشترون، ويشتري الناس لأن الأسعار ترتفع. ثم يأتي يوم الحساب.عرفنا ذلك من قراءة ما حدث في وول ستريت عام 1929، وشهدناه في الخليج مع «سوق المناخ» مطلع الثمانينيات. مضاربات محمومة، وشيكات آجلة تجاوزت القدرة على السداد، وأسعار انفصلت عن واقع الشركات وأصولها. وحين انكشفت الفجوة بين القيمة المتخيلة والفعلية، جاءت الخسائر قاسية. أفلس تجار، وتعثّرت شركات، وضاعت مدخرات أُسر وأحلام شباب صدّقوا أن الغنى طريق مختصر يتجاوز العمل والمعرفة.
اليوم نعيش سوقاً أخرى لا تقل هوساً. عُملتها الانتباه، وسيولتها الإعجابات، ورأسمالها عدد المتابعين. يرتفع فيها سهم الرأي بقدر ما يُحدثه صاحبه من ضجيج. ويغدو علوّ الصوت بديلاً عن قوة الحجة، وطول قائمة المتابعين شهادةً على صحة القول.
كل من كتب رأياً مخالفاً في المنصات يعرف المشهد جيداً. تنشر فكرة، فتنهال عليك الردود في دقائق. قليل منها يناقش ما كتبت، وكثير منها يسأل عن نيتك، وعمّن يقف خلفك، ومن موّلك، وإلى أي معسكر تنتمي. أما من يأتيك بدليل أو سؤال جاد، فيضيع صوته في الزحام. هكذا يتحرك المضاربون: يتبعون اتجاه القطيع، ولا يسألون عن قيمة ما يتداولونه.
من حق الجميع أن يتحدث. هذا مبدأ لا أساوم عليه. لكن حق التعبير شيء، وقيمة الرأي شيء آخر. رأي الطبيب في الدواء ليس كرأي من قرأ منشوراً عابراً، وقراءة المؤرخ للوثيقة ليست كقراءة من سمع عنها في مقطع مدته دقيقة. نحن متساوون في الحق، متفاوتون في الوزن.
لكن احترام الخبرة لا يعني تقديس أصحابها، ومخالفة الرأي السائد ليست دليلاً على الجهل. فالخبرة تمنح الرأي وزناً، لا حصانةً من النقد.
ومن حق أي إنسان أن يجادل عالماً أمضى عمره بين الكتب والمختبرات والأرشيف. السؤال: بماذا يجادله؟ بالدليل والرغبة في الفهم، أم بالسخرية والتخوين وترديد عبارات لا يدرك معناها؟
وفي المساءلة الفكرية والتاريخية، من حقنا أن نسأل ونشكّك ونبحث وننتقد، فلا يمكن أن نبقى أسرى قراءات قديمة ربما كانت مرتبطة بزمانها، لكن ذلك لا يمنحها مشروعية في الراهن. فإضفاء القداسة على تفسيرات واجتهادات بشرية لا يخدم وعي المجتمع، بل ربما عجّل بوقوعه أسيراً لأجندات جماعات دينية ذات مشاريع سياسية. ومع ذلك، لا بدّ من التأكيد على أن يكون النقد رصيناً، والتساؤل مؤدباً، والنية في البحث والسؤال صادقة.
والجهل في ذاته ليس عيباً. السؤال بداية كل معرفة، و«لا أعرف» من أشجع الكلمات. الخطر يبدأ حين نتوهّم أننا نملك الإجابات كلها، ثم نجد جمهوراً يصفق ليقيننا الزائف. عندها يتحول الجهل من حالة عابرة إلى هوية يُدافَع عنها، ويصبح الاعتراف بالخطأ هزيمة، والتراجع عن الرأي خيانة للقبيلة الرقمية.
لكن المضاربة في سوق الرأي ليست حرفة الجاهلين وحدهم. فقد يمارسها مثقف يعرف أكثر مما يقول، أو متخصص يختصر مسألة معقّدة في عبارة حاسمة طلباً للانتشار. وهنا يكتسب الضجيج مظهر المعرفة، ويتحول الرصيد الثقافي إلى وسيلة لتسويق اليقين السهل.
وهكذا يتحول المجتمع إلى سوق مضاربة لا تتوقف جلساتها. تنتقل فيها العدوى من متداول إلى آخر، فيستفزّنا كل رأي لا يوافقنا، ويستعدينا كل موقف لا يشبهنا. ويختفي السؤال الأهم: هل هذا صحيح؟ ليحل محله سؤال واحد: هل قائله منا أم من خصومنا؟
في هذا المناخ تزدهر الشعبوية، فيُكافأ الأكثر إثارة ويُهمَّش الأكثر معرفة. ولم تصنع المنصات الرقمية التعصب واتباع القطيع، لكنها منحت هذه الظواهر سرعة وانتشاراً غير مسبوقين.
والخوارزميات لا تحتاج إلى نية سيئة لتسهم في هذا الاختلال. فهي تقيس مؤشرات التفاعل والاهتمام، فتمنح المحتوى المثير للغضب والجدل انتشاراً أوسع. إنها بورصة يرتفع فيها سهم الرأي لا لقيمته، بل لحجم تداوله.
ولا تُعفى النخبة من المسؤولية. فبعضها انسحب من المجال العام، وبعضها عجز عن مخاطبة الجمهور بلغته، وبعضها دخل لعبة الإثارة نفسها. فكيف نلوم الجمهور على انجذابه إلى الآراء السريعة، بينما لا نبذل جهداً كافياً لتقديم المعرفة بصورة مفهومة وجاذبة؟ غير أن تبسيط المعرفة واجب أهلها، والسؤال عن الدليل واجب من يتلقاها.
الأسواق المالية تعلّمت من كوارثها. وضعت هيئات رقابة، وقواعد إفصاح، وآليّات توقف التداول حين يجنّ الهلع. أما سوق الرأي فلا أتمنى أن تُدار بقرار رقيب. ضمانتها الوحيدة وعي الناس، وهذا الوعي مسؤولية مشتركة: إعلام يكفّ عن استضافة الضجيج لأنه يجلب المشاهدات، ونخبة تكفّ عن التعالي على الجمهور، ومنصّات تتحلى بشفافية أكبر، وقارئ يتعلم أن يسأل عن الدليل قبل أن يشارك الرأي.
ففي الأسواق قد نخسر أموالنا حين نشتري سهماً لأن الجميع اشتراه. أما في سوق الرأي، فقد نخسر ما هو أثمن: قدرتنا على التمييز بين ما يلقى رواجاً وما يستحق التصديق.
إذ حين يعجز قطاع واسع من المجتمع عن التمييز بين الحجة والضجيج، يأتي إفلاس من نوع آخر، خسائره لن تظهر في نشرة الأسعار. ستظهر في أجيال تعلّمت أن تصرخ قبل أن تفكر. وهذا دَينٌ يسدّده المجتمع كله، جيلاً بعد جيل!
*كاتب وإعلامي إماراتي


