على مدى عقود، كان مصطلح «الهندسة الألمانية» مرادفاً لأفضل السيارات في العالم، بمحركات احتراق داخلي مضبوطة بدقة، وأصوات متناغمة، وتجهيزات أنيقة وتجربة قيادة متقنة على الطرق السريعة الألمانية. لكن خبراء يحذّرون من أن المصطلح قد يصبح مرادفاً للتكاليف الباهظة المترتبة على الثقة المفرطة والرضا عن الوضع القائم ورفض التغيير.

وتواجه صناعة السيارات الألمانية، وفق اتفاق كثير من المحللين، أصعب أزمة في تاريخها. فكما أعادت «آبل» ابتكار الهاتف، أعادت «تسلا» ابتكار السيارة، وحوّلتها من مركبة إلى كمبيوتر على أربع عجلات، مطورةً أسلوب تصنيع أسرع وأكثر ابتكاراً وكفاءة.
وتجاهلت الصناعة الألمانية هذا التوجه إلى حدٍّ كبير، بينما أنشأت شركات السيارات الصينية الجديدة أعمالها من الصفر تقريباً لإنتاج «سيارة المستقبل». وكانت النتيجة كارثية، ولا تتضح أبعادها إلا الآن.
وفي عام 2020، مثّلت السيارات الألمانية 25% من المبيعات في الصين، أكبر سوق للسيارات عالمياً. واليوم، تراجعت النسبة إلى 12% مع إقبال المشترين على الطرازات المحلية. وفي المقابل، ارتفعت حصة السيارات الصينية في أوروبا إلى 9% خلال النصف الأول من العام الحالي، مقابل 0.6% قبل خمس سنوات.
لكن القلق الأكبر يتعلق بصعوبة المرحلة المقبلة. فمع توجُّه أوروبا والصين إلى مستقبل أكثر اعتماداً على الكهرباء، تخلّفت الشركات الألمانية كثيراً عن منافساتها الصينية، التي تنتج سيارات كهربائية أرخص وأكثر تقدماً. وللحاق بها، يتعين على ألمانيا إعادة تصور صناعتها بالكامل، بينما ترتفع أسعار الطاقة وتتقادم عمليات الإنتاج، وتهدد عمليات التسريح بمواجهة مع النقابات الراسخة تاريخياً، قد تؤجِّج الغضب السياسي لدى الطبقة العاملة.
 شتيفان براتزل، مدير مركز إدارة السيارات في بيرغيش غلادباخ بألمانيا يرى: «أن هذا تحوُّل كبير في صناعة السيارات، وليس التعامل معه سهلًا على الشركات الراسخة. لكن جانباً كبيراً من المشكلة كان الغرور، فقد اعتقدت الشركات أنها تضع قواعد اللعبة، وتجاهلت الاتجاهات التكنولوجية الجديدة».
وصناعة السيارات أكبر قطاعات ألمانيا وأكثرها نفوذاً، والتميز التصنيعي متجذِّر في هويتها منذ مساهمة غوتليب دايملر وكارل بنز في تطوير أول محركات الاحتراق الداخلي أواخر القرن الـ19.
ولأن الأزمة تشكك في هذه الركائز الاقتصادية، فإنها أشد إيلاماً، إذ تبدو هجوماً على الكبرياء الألماني والتقاليد. فعندما قدّمت «تسلا» أسلوب التصنيع المعروف باسم «الصب الضخم»، أصبح إنتاج السيارات أسرع وبعمالة وقطع أقل. وتستخدم شركات السيارات الصينية كلها شكلاً من هذه التقنية. أما مسؤول تنفيذي كبير في شركة ألمانية فوصفها أول الأمر بأنها «جنونية»، وقال: «لا يمكن فعل ذلك»، وفق فردي دودنهوفر، مدير مركز أبحاث السيارات في بوخوم.
ويقول دودنهوفر إن الخطأ تكرر لدى شركات السيارات الألمانية ومورديها أيضاً. فشركة «بوش»، من أبرز مورّدي تكنولوجيا السيارات المتطورة، لم تستثمر كثيراً في البطاريات أو أشباه الموصلات.
ويرى دودنهوفر أن «بوش خسرت صناعة السيارات بأكملها». ويضيف أن الصناعة الألمانية «لم تفهم سيارة المستقبل لفترة طويلة، بينما أدرك الصينيون ذلك بسرعة».
وعلى المدى القصير، من شبه المؤكد أن تشهد ألمانيا تسريحاً للعمال، وعروضاً لتعويضات إنهاء الخدمة، وربما إضرابات.
وتطالب الشركات الألمانية برلين والاتحاد الأوروبي بالتراجع عن أهداف السيارات الكهربائية، كما يُطرح رفع الرسوم على السيارات الصينية. وقد تخفّف هذه الإجراءات تداعيات تراجع الصناعة. وبدأت بعض الشركات الألمانية تدرك حجم التحدي، وإن كانت الحلول قد لا تلقى قبولًا في ألمانيا.
وخلصت «فولكسفاغن» إلى أنها لا تستطيع تصنيع سيارة منافسة للسوق الصينية في ألمانيا بسبب العقبات القائمة، لذا توسّع تطبيق فلسفة «في الصين، من أجل الصين» لمحاكاة مزايا الشركات الصينية.
ويقول براتزل، بعد زيارته مقر «فولكسفاغن» الأسبوع الماضي: «يدرك الموظفون أن الوضع خطير. لقد انتهى زمن الاحتفالات الكبرى». 
وأعلنت «فولكسفاغن» مطلع العام خططاً لإلغاء 100 ألف وظيفة بحلول نهاية العقد. وستبدأ مفاوضات مع «آي جي ميتال»، أكبر نقابة عمالية في ألمانيا، في ديسمبر. كما أنهت من جانب واحد عدة اتفاقيات للمفاوضة الجماعية، واقترحت تجميد الرواتب حتى عام 2030.
واتهمت النقابة، في بيان، «فولكسفاغن» بـ«الإخلال بالثقة»، محذِّرة من أن المسار الحالي «سيطلق عملية تمهِّد لمواجهة واسعة تشمل جميع مراحل التصعيد في النزاع العمالي».
ولا يجزم براتزل بنجاح المحاولة الألمانية الناشئة لإعادة تشكيل صناعة السيارات، لكنه يرى أن الخطوة الأولى هي إدراك الجميع أهمية التغييرات المقبلة. ويقول: «يتوقف جانب كبير من النجاح على قدرتهم على بناء شراكة والعمل معاً». ويضيف أن هذا المستوى من التغيير المؤسسي «سيكون معركة». 

يُنشر بترتيب  مع صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»
*صحفي متخصص في الشؤون الدولية