تكشف توازنات القوى داخل الولايات المتحدة، وليس فقط داخل الإدارة الأميركية قدراً كبيراً من التطورات المهمة التي تؤكد أن الصراع بين «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» تحكمه ضوابط ومحددات مهمة لا يمكن الخروج عنها في ظل ترقب ومتابعة من مراكز التأثير المهمة، والتي تعمل كقوى ضغط كبيرة داخل المجتمع الأميركي، ولا تتوقف على جماعات الضغط، والقوى التي تعمل وراء ستار، وتؤكد قدرتها في تحريك المسارات التي يعمل من خلالها مجلسا النواب و«الشيوخ» خاصة في مدة السنوات الأربع التي يحكم فيها الرئيس، وعندما ينتخب الرئيس تطرح أيضاً مقاعد في المجلسين للتنافس الانتخابي.
أما في منتصف الولاية فيعود الناخبون إلى صناديق الاقتراع لإعادة تحديد موازين القوى، وتمنح هذه الانتخابات الناخبين فرصة لتغيير موازين القوى داخل الكونجرس.
وبعد فوز «الديمقراطيين» في انتخابات التجديد النصفي، بافتراض أن تنتقل السيطرة داخل الكونجرس إلى الحزب «الديمقراطي»، فسيصبح تمرير الرئيس ترامب للقرارات أكثر صعوبة في ظل رقابة المعارضة، واحتمالية أن يطعن ترامب في نتائج الانتخابات. والاستقرار المنشود من قبل الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري»، قد لا يكون وارداً بالفعل بصرف النظر عن سلوك الرئيس ترامب، وقد انتصفت عمر الولاية الثانية الأمر الذي يدفع إلى مراجعة مراكز القوي في المجتمع الأميركي، أو ما يعرف باسم «حراس المعبد» للتحرك والحرص على الاستقرار الداخلي في ظل قناعات بأن الولايات المتحدة يجب أن تبقي على رأس النظام الدولي، حيث يواجه الحزب «الجمهوري» تحديات تتعلق بمستقبل علاقته بترامب وحركة ماجا، خاصة في ظل تراجع مستويات التأييد الشعبي للرئيس.
وبينما يواصل التيار المؤيد لترامب الدفاع عن سياساته وخطابه السياسي، تحاول بعض الشخصيات «الجمهورية» التركيز على القضايا المحلية والاقتصادية لتجنب تحمل التكلفة السياسية المرتبطة بتراجع شعبية الإدارة.
كما بدأت النقاشات تتز ايد بشأن مستقبل القيادة «الجمهورية» بعد انتهاء ولاية ترامب، مع بروز أسماء مثل نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في النقاشات المبكرة المتعلقة بانتخابات الرئاسة.أما الحزب «الديمقراطي»، فيواجه خلافات بين قيادته التقليدية والتيار التقدمي بشأن طبيعة البرنامج السياسي المطلوب لاستعادة ثقة الناخبين.
ففي حين تركز القيادة التقليدية على استقطاب الناخبين المعتدلين والمستقلين، يدفع التيار التقدمي نحو توسيع برامج الرعاية الصحية والسكان وإعادة توزيع الدخل، إلى جانب مراجعة السياسات الخارجية الأميركية، وقد برز هذا الاتجاه من خلال زيادة حضور شخصيات تقدمية في المنافسات الانتخابية، بما يعكس استمرار التحولات الأيديولوجية والتنظيمية داخل الحزب «الديمقراطي». ولهذا فإن «صقور» الحزب «الجمهوري»، تعمل على حفظ استقرار الحزب وتصدره المشهد، فالحزب ليس ترامب برغم محاولات الرئيس ترامب القادم من خارج المؤسسات الحزبية أن يتعامل انطلاقاً من حسابات ضيقة ومصالح ذاتية خاصة، وأن أغلب القضايا التي اتهم فيها الرئيس الأميركي ترامب لم يعد هناك حديث عنها، بل تكتمت الدوائر الأميركية بالفعل تناولها في إطار الحرص على بقاء الرئيس من جانب والضغوط التي مورست في فتح ملفات القضايا بالفعل من جانب آخر، الأمر الذي يؤكد أن المسارات المحتملة ستظل قائمة مع الفارق في توظيفها عند الضرورة في مواجهة ما يجري من تطورات، خاصة أن التعامل مع أداء الرئيس وقراراته لا تحكمها وسائل الاعلام وتصريحات الرئيس ترامب، وغيرها من الأساليب المطروحة، فالمسالة مرتبطة بأداء الرئيس وقراراته.
وفي كل الأحوال من الواضح أن الانتخابات في مجملها، وبصرف النظر عما طرحته من نتائج كانت تصويتاً مباشراً على شعبية الرئيس ترامب نفسه، وبما اتخذه من اجراءات طوال العامين الماضيين، بل وامتد الأمر إلى مراجعة مسار السياسة الخارجية أيضاً، وهو ما طرح في إطار قرارات ترامب تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية على روسيا وتصاعد انتقاداته للرئيس الأوكراني زيلينسكي، والتي جمعت موقف «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» معاً، فالإدارة رفعت قيوداً مرتبطة بصادرات الديزل الروسي، وعلقت تطبيق عقوبات في إطار محاولة لدفع موسكو نحو التفاوض لإنهاء الحرب، كما امتدت المواجهات بشأن سياسات ترامب، خاصة في ملفات الهجرة والاحتجاجات السياسية وحقوق الأفراد، وغيرها من الملفات الشائكة. السياسة الأميركية في الفترة المقبلة ستحكمها معايير وضوابط مختلفة خاصة من قبل الرئيس ترامب، ولن تعمل مؤسسات صنع القرار، وعلى رأسها الكونجرس في اتجاهات محددة بل ستتحرك في مسارات متعددة في آن بهدف تحقيق مصالح الولايات المتحدة بصرف النظر عن تصريحات أو مواقف الإدارة والرئيس.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.


