يواجه كل من يتابع انتخابات التجديد النصفي السؤالَ المحيرَ نفسَه: لماذا يعلق الرئيس دونالد ترامب مراراً على الشكل الجسدي لجون هوستد؟ وربما شاهد حتى مَن تابعوا المشهدَ لفترة وجيزة مقطعاً من أحد تجمعات ترامب، وهو يشيد ببنية السيناتور المبتدئ الذي يمثل أوهايو.
وأثار هذا الموضوعُ تكهنات الخصوم بأن الرئيس بدأ يفقد اتزانَه الذهني بسبب خوضه حملةً انتخابيةً شبه متواصلة. لكنني لا أعتقد ذلك، فتعليقاته تبدو محسوبة. وبينما يضحك أنصاره، يدور حديثُ الجميع عن أي شيء سوى السياسة العامة للرئيس خلال العامين الماضيين.
وتمثل الرسومُ الجمركيةُ مأزقاً انتخابياً للجمهوريين لسببين، أولهما أن الناخبين يدركون أن زيادة الضرائب على الواردات ترفع الأسعار، والثاني أن الرسوم أصبحت نقطة خلاف مؤلمة للإدارة، حيث ينتقد مرشحو الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ هذه الرسوم علناً. ففي ميشيغان، تبرأ مايك روجرز من رسوم ترامب، داعياً إلى إنهاء الحرب التجارية على كندا.
ويدرك روجرز مؤشرات استطلاعات الرئيس بشأن هذه القضية، وهي مؤشرات غير مطمئنة. وقد اضطرت الإدارةُ بدورها إلى الإقرار بهزيمة جزئية، وإن بهدوء: ففي 23 أكتوبر، أعلن البيت الأبيض تقليصاً إضافياً للرسوم على كندا، في محاولة أخيرة للحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ.
ودخل القرارُ حيزَ التنفيذ الجمعة، فأُلغيت بعض الرسوم البالغة 50% على منتجات الغابات والسلع الزراعية الكندية، ومنها صناديق التعبئة والمنتجات الورقية وألواح الخشب الرقائقي وبعض الآلات ومعدات التبريد. وأعلنت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (عن مين)، وهي تخوض سباقاً صعباً للاحتفاظ بمقعدها أمام تروي جاكسون، النائب الديمقراطي السابق في مجلس الولاية، أنها صاحبة الفضل في الاستثناءات، متعهدةً بمواصلة العمل مباشرة مع مسؤولي الإدارة للحصول على مزيد من التخفيف.
وتُعد العوائقُ التجاريةُ قاسماً مشتركاً بين سباقات مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، والتي أصبحت أكثر تنافسيةً بكثير خلال الأشهر الـ18 الماضية مما كان متوقعاً بعد فوز ترامب الكاسح عام 2024. ففي مين وميشيغان وأيوا وأوهايو، وحتى جورجيا، حيث السباقات متقاربة بشدة أو حُسمت خسارتها، تُعد كندا أكبر شريك تجاري دولي لهذه الولايات.
وبحسب استطلاع «واشنطن بوست» وكلية «شار»، في سبتمبر الماضي، يعارض 63% من سكان ميشيغان رسومَ ترامب على كندا. وقال 61.5% في استطلاع رأي، أُجري في الشهر نفسه، إنها تضر باقتصاد الولاية. ويعارض 58% من سكان أيوا الرسومَ البالغة 50% على بعض المنتجات الكندية، وفق استطلاعات كلية «إيمرسون»، فيما يخشى 71% الرسومَ الانتقامية الكندية. وفي مين، حيث تصف كولينز الاستثناءات بالنجاح، قال 7 من كل 10 سكان لشبكة «سي إن إن» إن الرسومَ على كندا تضر بولايتهم.
وهذا مفهوم، حيث إن، تجربة ترامب الجمركية ألحقت أضراراً جسيمةً بالعمال الأميركيين الذين لطالما أعلن أنه يريد مساعدتَهم. وبدلاً من منح عمال الزراعة والتصنيع أفضليةً عبر التضييق على التجارة الحرة، أضر بقطاعات تعتمد على حركة البضائع عبر الحدود.
وقال ترامب عند إعلانه الرسومَ الشاملةَ العام الماضي: «سيظل 2 أبريل 2025 يوماً يُذكر بوصفه اليوم الذي وُلدت فيه الصناعةُ الأميركيةُ مِن جديد، واستعادت فيه أميركا مصيرَها، وبدأنا فيه جعلَ أميركا ثريةً مرةً أخرى». لكن الضرائبَ والأسعارَ الأعلى لا تجعل المواطنين يشعرون بالثراء، وقد اهتزت الثقةُ في رؤيته الاقتصادية.
وبدأ الأمر عندما شهدت الأسواقُ تراجعاً حاداً بعد «يوم التحرير» الجمركي، حتى اضطر الرئيسُ إلى التراجع عن مقترحاته الأولى. ثم جاءت استطلاعاتُ الرأي، وبعدها المحكمة العليا، التي قضت على أحلامه بفرض رسوم من جانب واحد على دول يقول قادتُها ما لا يعجبه، ورفضت استنادَه إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لفرضها.
إن سياسةً اقتصاديةً تضطر إلى التراجع عنها جزئياً قبل أيام من الانتخابات، لم تكن على الأرجح لتجعل أميركا «ثرية مرةً أخرى». فالضرائب على الواردات، بحكم تصميمها، تتحمل الشركاتُ الأميركيةُ معظمَها، وهي سياسةٌ تجعل العمالَ والمستهلكين الأميركيين أسوأ حالاً.
ومنذ بدء حروب ترامب الجمركية، يرسل الأميركيون إشاراتٍ واضحةً عن رفضهم لتدخله في شؤونهم من أعلى الهرم، وتحديد ما يمكنهم شراؤه ومقدار ما يجب عليهم دفعه.وقد تبدو تعليقات ترامب حول عضلات هوستد خلال حملته الانتخابية مُحيرةً، لكن رفض رسومه الجمركية ليس محيراً على الإطلاق.
*صحفية متخصصة في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


