عندما سُئل جون مادوكس، رئيس تحرير مجلة «نيتشر» العلمية الدولية لفترة طويلة، عن حجم ما نشرته المجلة وتبين لاحقاً أنه كان خاطئاً، أجاب: «كل ما نشرناه». ولم تكن مقالات «نيتشر» خاطئةً بالطبع، وإنما غير مكتملة فحسب، فهناك دائماً المزيد مما يمكن تَعلُّمُه واكتشافُه، وتفسيرات أكثر تطوراً يمكن التوصل إليها.
وفي ظل تصاعد القلق إزاء حالة عدم اليقين التي تسود العالَمَ، من المهم إدراك أن عدم اليقين يمثل جزءاً جوهرياً من العلم، بل إنه ما يجعله أقوى منظومةٍ ابتكرتها البشريةُ لتراكم المعرفة. ففي العلم، تُعد مراجعة الأفكار وتصحيحها انتصاراً، ولا توجد إجابة صحيحة واحدة لكل سؤال في الاختبار، بل العلم ينطوي على الممارسة العلمية الحقيقية.
ويتساءل بعضهم: «كيف يمكن لعدم اليقين أن يقود إلى المعرفة؟»، لكن هذا هو السؤال الخطأ، فعدم اليقين هو المعرفة. ويعتمد العلماءُ في إحراز التقدم على قابلية المعرفة القائمة للتطوير، ويدركون أن أي اكتشاف علمي، مهما بلغت أهميتُه، قابلٌ للتنقيح. وهذه طبيعة المنهج العلمي، أي العملية التي يجمع العلماء من خلالها البيانات ويختبرون فرضياتهم. فالاكتشاف العلمي الجيد يقر دائماً بحدوده، التي تشير بدورها إلى ما يحتاج إلى بحث مستقبلاً. وبعبارة أخرى، فإن فهم عدم اليقين وتقدير الاحتمالات التي يتيحها مفتاحَا النجاح العلمي.
وإذا كانت حالةٌ عدم اليقين في العالم ترفع ضغط دمك، فأنت محظوظ، إذ تتوافر تسع فئات مختلفة من أدوية ارتفاع ضغط الدم، تعمل كلٌّ منها عبر مسار مختلف، رغم أن العلماء لا يزالون غير متأكدين مما ينظم ضغط الدم من الأساس. ونحو 90% من حالات ارتفاع ضغط الدم مجهولة السبب، أي أن الطبيب لا يستطيع تحديد سببها الجذري. ومع ذلك، تتيح المعرفةُ غير المكتملة إحرازَ مزيد مِن التقدم، فقد تظهر أدويةٌ أفضل أو بدائل للعلاج الدوائي مع تحسن الفهم. وفي الأثناء، أسهمت هذه الأدويةُ في الوقاية من ملايين الوفيات المبكرة منذ طرحها قبل 50 عاماً.
ويستفيد الجميع من التقدم العلمي. ومن الصعب تصور أن يُفضل أحدٌ الإصابةَ بالمرض قبل 25 عاماً على الإصابة بالمرض اليوم. ورغم أن التقدم العلمي أنتج أحياناً نتائج لم تكن مقصودة، بل وأخرى مؤسفة. فقد استُخدمت أبحاثٌ أُجريت على القنبلة الذرية أساساً لتطوير الكيمياء التي تقوم عليها أدوية التخدير. لكن التأثير الأعمق للتقدم العلمي لم يكن في المنتجات والابتكارات التي أتاحها، بل في ترسيخ فكرة التقدم ذاتها، وما أحدثته من تحول في نظرة الإنسان إلى العالم.ويبدو أن فكرة التقدم رافقت البشرَ منذ حقبة السم على جدران الكهوف، لكن ذلك غير صحيح. فالإغريق القدماء، رغم إنجازاتهم الاستثنائية، لم يكن لديهم مفهومٌ للتقدم، وبقدر ما تصوروا إمكانيةَ حدوث تقدم، نظروا إليه باعتباره أمراً سلبياً قد يؤدي إلى تفكك المجتمع وإثارة الصراعات. ويتضح ذلك بتأمل قصتَيْ إيكاروس وبروميثيوس؛ فالأول لقي حتفَه بعدما حاول الطيرانَ مقترِباً مِن الشمس، والثاني عاقبته الآلهةُ بعدما سرق النارَ ومنحها للبشر. ورغم أن معظم سكان الحضارات المتقدمة في العالم القديم اعتقدوا أن أحوالَهم أفضل من أحوال أسلافهم، فإنهم اعتقدوا أنهم بلغوا بالفعل ذروةَ التقدم. وبذلك، كانوا ينظرون إلى التقدم باعتباره إنجازاً تحقق في الماضي، بينما ينظر إليه الناس اليوم باعتباره مساراً مستمراً نحو المستقبل. وهذا هو الفارق بين الاعتقاد بأن العالَمَ بلغ أفضلَ حال ممكنة ولم يعد أمامه مجالٌ للتحسّن، والإيمان بأن الأمور يمكن أن تتغير وتتخذ مساراتٍ مختلفةً.
ومن المفارقات أن التقدم السريع يولِّد مزيداً من عدم اليقين، فكل تقدم في المعرفة يكشفُ أسئلةً جديدةً. وكلّما تعلّمتَ أكثر، أدركتَ حجم ما لا يزال مجهولاً، ومدى تعقيد العالم، واحتمال وجود أكثر من حل للمشكلة الواحدة. وكما في مسألة ضغط الدم، يُحرِز العلمُ تقدماً ملحوظاً مع بقاء عدم اليقين. فمجال فيزياء الكم، مثلاً، يقوم على ما يُعرف بمبدأ عدم اليقين.
ومطالبةُ العلم بإجابات قاطعة مطالبةٌ خاطئةٌ، فالعلمُ يقدِّم أفضلَ إجابة متاحة، لا الإجابةَ الأخيرةَ، بل إجابةٌ مؤقّتةٌ توضح إلى حد ما مدى موثوقيّتها. واليقين ليس مستحيلاً فحسب، بل وغير مرغوب أيضاً. وإذا تخيلنا عالَماً تحكمُه قوانينٌ تضمن اليقينَ في كل نتيجة، ماذا سيبقى من الخيال والاكتشاف والمغامرة والرومانسية والمفاجأة، أي مِن كل ما يجعل الحياةَ ممتعةً؟ كل ذلك ستبتلعه القوانينُ الثابتةُ واليقينُ المطلق.
إن عدمَ اليقين في الممارسة العلمية باعثٌ على التفاؤل؛ فهو تفاؤل بالإمكانات، وبالقدرة على تَخيُّلِ أنَّ الأمورَ يمكن أن تكون مختلفةً. فلا تنتظر الإجابةَ النهائيةَ التي لن تأتي. تناول دواءَ ضغط الدم، وتصرّف استناداً إلى المعرفة العلمية المتاحة الآن، رغم أنها ليست كاملة.

العلم الذي لم تُحسم نتائجه ليس علماً معيباً، بل هو العلم الحقيقي.

 


*أستاذ علم الأعصاب بجامعة كولومبيا الأميركية 

 نشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»