ذهبنا في زيارة خاطفة إلى سلطنة عمان بعد انقطاع دام قرابة أربع سنوات لنكتشف أمراً في غاية الأهمية من الناحية الاقتصادية والسياحية، فلقد غطت صورة المواطن العماني جميع المواقع التي قمنا بزيارتها أو حتى المرور عليها.
أبرز ما في رحلتنا ظهور "التعمين" على السطح، القضية المحورية للسلطنة في مواجهة مشكلة بطالة مواطنيها، فكان للأمر السلطاني دور واضح لتعمين الوظائف في كل قطاعات العمل.
خريطة التعمين كانت مدار الحديث مع أفراد الأسرة وليست أحداث وفعاليات المهرجان في عمان وقد أخذت هذه القضية جل اهتمامنا ومدار حديثنا مع العمانيين في مختلف الوظائف، وذلك لتشابه ذات المحور "التعمين" هناك و"التوطين" هنا، فالرابط بينهما واحد وهو إعطاء الأولوية في التعيين بالدولة للمواطن في كل الوظائف.
نتحدث عن خطة التعمين على أساس النجاح الذي تم لزراعة العمانيين في جل قطاعات العمل، فصورة المواطن العماني أصبحت المرآة العاكسة لعملية التعمين إجمالا دون أن تكون المرآة ذات أبعاد غير حقيقية.
ففي الفنادق والمطاعم والمراكز التجارية ومحطات الوقود وفي كل الأزقة و"السكيك" تبهرك رائحة التعمين الواضحة، وملامح البِشْر الدالة على أن العماني أثبت قدرته على العطاء أينما وجد فرصة للتوظيف، فليس في ممارسة العمل حياء أو خجل للمواقف بالنسبة للشباب أو الفتيات، فالسياسة السلطانية تشق طريقها كلما أطل النهار بوجهه.
نأتي إلى تجربة التوطين بالدولة ليس من بدايتها وإنما بما سمعناه أخيراً وعلى لسان بعض كبار المسؤولين في وزارة التربية والتعليم حيث أكد على أن نسب التوطين في الهيئات التعليمية بالدولة تسير ببطء لا سيما الذكور منها، حيث بلغت نسبتهم في السنة الدراسية الجارية 9% فقط.
هذه النسبة المتواضعة في توطين وظيفة التدريس تعطينا انطباعاً سلبياً عن عجز القطاع التربوي عن توفير المعلم المواطن في مجال النمو فيه متزايد، وهذا النمط من السير ببطء لا يصب في صالح الاستراتيجية العامة للتوطين بالدولة، فتخريج 120 معلماً ومعلمة خلال الخمس سنوات الماضية من كلية التربية بجامعة الإمارات فعلا تعد ضربة قاصمة لخطط واستراتيجية التوطين ويكفي أن معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم وصفها بالكارثة.
بين عملية "التوطين" و"التعمين" وجه مفارقة، ففي سلطنة عمان حجم العمالة الوافدة وفقاً لإحصاءات 2001 وصل إلى قرابة 60 ألف عامل ومع ذلك حجم الاهتمام الحكومي والإعلامي والشعبي أكبر بكثير مما هو مطلوب عندنا بالدولة لأن وضعنا مع العمالة في الاتجاه المعاكس لما عليه الحال في عمان.
إن زرع المواطن في مواقع العمل الإدارية والكتابية والتنفيذية، وخدمات المكاتب والتسويق والمحاسبة والسكرتارية وأنظمة المعلومات في كل القطاعات يدل على صورة الوطن والمرآة التي تعكس وجودنا الفعلي، من دون تقعر أو تحدب.
فالدولة لم تقصر في إنشاء هيئة تنمية الموارد البشرية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للتوطين وتنفيذ كافة قرارات الحكومة بهذا الخصوص، إلا أن الواقع له دلالات عكسية لا تنم عن التعامل الإيجابي مع قرارات نسب التدخل في القطاعات المستهدفة في البنوك 4% والتأمين 5%، وأخيراً التجارة العامة 2%.
إننا لا نقارن أنفسنا حرفياً مع سياسة التعمين في السلطنة ونعلم يقينا بوجود فروقات جوهرية أحياناً بين سياستي التعمين والتوطين والمتحدتين في الأهداف إلا أننا أقرب لتحقيق مبدأ زراعة المواطنين في كل قطاعات العمل بالدولة لسبب بسيط للغاية ألا وهو قلة المواطنين مقارنة بإجمالي السكان والقوى العاملة في الدولة فزراعة نسبة 2% في قطاع التجارة، مثلا قد لا ترى بالعين المجردة إلا أنها زرع نافع على المدى البعيد في كل قطاعات العمل؟!.