الترحيب غير العادي من جانب قطاعات في شعوب بعض البلدان العربية والإسلامية بالثورة الإيرانية عند اندلاعها، أکد إلى أي حد کان بعض المخدوعين في العالمين العربي والإسلامي يعولون على هذه الثورة ويعتبرونها تغييراً يخدم طموحات الأمتين العربية والإسلامية! ولکن بعد مرور أعوام قلائل تبينت حقيقة هذا النظام الذي تم تأسيسه بعد نظام الشاه، وأنه أسوأ بکثير ليس فقط من سلفه، بل من أي نظام آخر يعادي العرب والمسلمين. والقطاعات التي رحبت حينها بالتغيير السياسي - الفکري الذي جرى في إيران على أثر الثورة الإيرانية، کانت تعقد الکثير من الآمال عليها وتعتبرها نقطة تحول استثنائية لصالحها ولاسيما فيما يتعلق بقضيتها المصيرية (قضية فلسطين)، ولکن مع مرور الأيام، سرعان ما تبين أن الأمور تجري في إيران بسياق مناقض تماماً لما کانت الأمة العربية وحتى الإسلامية تحلم به أو تتصوره.
وأکثر شيء لفت النظر کثيراً ودفع للتشکيك بهذا النظام، هو أنه سعى منذ البداية، وبکل ما بوسعه، من أجل استهداف المملکة العربية السعودية، وإثارة البلبلة والدعاية الكاذبة تجاه إدارة أمور الحرمين الشريفين، ولذا فقد سعى ذلك النظام لزعزعة الأمن والاستقرار في مواسم الحج، لأغراض خبيثة تستهدف السيطرة على الحرمين وهو هدف خبيث ضمن أحلام يقظة ذلك النظام. ولهذا فإن كل تلك المساعي المسمومة والضالة والمخادعة التي بذلها النظام الإيراني من خلال الممارسات التخريبية المضلة التي قامت بها الوفود المرسلة لأداء شعائر الحج، والتي کان هدفها الأصلي والأساسي التشکيك في قدرة وإمکانية المملکة العربية السعودية على ضمان تأدية الحجاج لمناسك الحج، قد أزاحت القناع عن الوجه الحقيقي لهذا النظام، وأنه لا يسعى من أجل «محو إسرائيل» کما زعم الخميني، وإنما يتوهم إمكان انتزاع الزعامة الدينية التاريخية من السعودية فيما يرتبط بدورها الأساس في العالم الإسلامي. ولهذا كان جهد إيران مكرساً من أجل إثارة الفتنة الطائفية في السعودية من خلال سعيها للتصيد في المياه العکرة وبشکل خاص بعد تأسيس ما يسمى «حزب الله حجاز»، واستهداف المنطقة الشرقية في المملکة بشکل خاص من أجل تحقيق هذا الهدف الخبيث، ولکن يقظة الشعب السعودي والأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية قد أحبطت هذه الخطة المشبوهة وأجهضتها من الأساس. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى بلدان عربية أخرى، وإن استهداف ومحاولة اغتيال أمير الکويت خلال عقد الثمانينيات، وخطف «طائرة الجابرية»، قد أکد للجميع ما يکنه النظام الإيراني من مشاعر للعرب والمسلمين، بل إن کشف خلية العبدلي وهي خلية إرهابية تابعة لـ«حزب الله» اللبناني قامت بتجنيد عناصر كويتية وبتخزين وحيازة السلاح والمتفجرات في مزرعة بمنطقة العبدلي بكميات كبيرة، وتمكنت الأجهزة الأمنية الكويتية من القبض عليها في تاريخ 13 أغسطس 2015، قد أظهر ما يخبئه هذا النظام من نوايا مشبوهة وسامة تجاه البلدان العربية. ولا ينفصل عن ذلك أيضاً الدور المشبوه الذي قامت به إيران ضد مملكة البحرين، وسعيها من أجل الانقلاب على حكومتها وتغذية البلبلة في الأوضاع والتأثير السلبي على الأمن الاجتماعي فيها من خلال إثارة النعرات الطائفية والاختلافات، للتمهيد لدور ونفوذ إيراني في البحرين.
الثورة الإيرانية ومنذ الأيام الأولى لها، جعلت من العراق بشکل خاص وبقية البلدان العربية هدفاً لها، حتى إن الحرب التي اندلعت بين إي?ان والعراق کانت حرباً استباقية من العراق ضد المطامع الإيرانية الخبيثة التي أثبتت الأيام حقيقتها على أثر الاحتلال الأميرکي للعراق، وإن الأوضاع السلبية والوخيمة اللاحقة في العراق، وباعتراف العراقيين أنفسهم، هي بسبب النفوذ الإيراني الذي زرع الحقد والنعرات الطائفية في هذا البلد، وقام بتأسيس ميليشيات مسلحة وأحزاب تابعة له، لا هم لها سوى تنفيذ الأوامر الصادرة من طهران.
وفي سوريا، فإن قدراً کبيراً جداً من المسؤولية عن کل الذي حل بالشعب السوري يعود لإيران وتدخلها السافر في هذا البلد الذي لم يسلم أيضاً من المخطط الطائفي، في حين أن اليمن قد نال أيضاً قسطاً وافراً من الحقد الإيراني بفعل المخطط الخبيث من وراء الانقلاب «الحوثي» الإرهابي على الشرعية، وما تسبب فيه، وتداعى عنه، من نتائج وخيمة على الشعب اليمني لا يزال يعاني منها إلى حد الآن.
وأما القضية الفلسطينية، التي جعلتها إيران بمثابة قميص عثمان لها، واستغلتها أسوأ استغلال من أجل تمرير مآربها ونواياها الشريرة وحققت فيها ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه بشق وحدة الصف الفلسطيني، من خلال دعمها المشبوه وغير المقبول لحرکتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، فلعلنا لا نبالغ أبداً إذا قلنا بأن الشعب الفلسطيني لم يتلقّ من إيران ما بعد الشاه إلا شيئين، الشعارات البراقة والرنانة الفارغة، وشق وحدة الصف الفلسطيني وزرع خلاف لا يعرف نتيجته إلا الله. وكذلك لبنان الذي انقلب رأساً على عقب بعد التدخل الإيراني هناك وتأسيس «حزب الله» الذي لم يکن سوى ذراع لإيران، وقد جعل من هذا البلد، الذي کان بمثابة سويسرا الشرق قبل تدخله، بلداً مختطفاً تحاصره المشاکل والأزمات من کل جانب.
ولاريب أن مصر والسودان والمغرب وغيرها لم تسلم هي أيضاً من البراثن الموبوءة لإيران، وقد طفح الکيل بالمغرب والسودان من العبث والتدخل السافر بأن بادرتا لقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، في حين أن مصر تصدّت لخطر وتهديد کبير عندما سعت إيران، وخلال عهد الرئيس السابق محمد مرسي، لاستنساخ نموذج «حزب الله» في هذا البلد، وهو ما أدى في النتيجة إلى الوقوف في وجه هذا التدخل واستئصاله. والآن بعد 40 عاماً على الثورة الإيرانية، فإن الحصيلة المُرة للبلدان العربية من النظام الذي تأسس بعد تلك الثورة، والسياسات والنهج المدمر الذي تم اتباعه ضد العرب، قد أعطى انطباعاً سيئاً عن إيران، بحيث صارت هناك قناعات کاملة بعدوانيتها، وبأنها تمثل خصماً مبيناً لبلدان المنطقة، وأنها تسعى من خلال شعاراتها الرنانة الفارغة للتغطية على تدخلاتها السافرة التي ترکت وتترك آثاراً سلبية على الواقع العربي، وإنها بهذا تشبه تماماً الحية، ناعم لمسها وقاتل سمها! ولا يمكن الاطمئنان لها، ولا الوثوق بها، ولا العيش معها أبداً.