أمراض الجهاز التنفسي... خطر يهدد دول الخليج
واحد من كل ثلاثة تقريباً من سكان الخليج العربي، تعرض في مرحلة ما من حياته لمضاعفات صحية مرتبطة بأمراض الحساسية، حسب دراسة نشرت هذا الأسبوع، في إحدى الدوريات المعنية بشؤون الرعاية الصحية في منطقة الشرق الأوسط. والغريب في هذه الدراسة، أنها لم تتم بدعم من جهة حكومية، أو من إحدى الجامعات أو المراكز العلمية، وإنما من قبل شركة أجهزة إلكترونية عملاقة، كجزء من حملتها التسويقية لمجموعة جديدة من الأجهزة المنزلية من مكيفات وثلاجات وغسالات، تطلق عليها الشركة اسم (المجموعة المنزلية الصحية). ورغم أن هذه هي المرة الأولى في المنطقة، التي تستخدم فيها دراسات علمية لتحقيق أغراض تسويقية، إلا أن النتائج كانت مثيرة بالفعل. وانقسمت هذه النتائج إلى قسمين؛ الأول يُعنى بالحالة الصحية العامة؛ بينما يختص الثاني بأمراض الحساسية، وبالتحديد بالمشاكل التنفسية. فمن بين أكثر من ألف شخص شاركوا في الدراسة من السعودية، والإمارات، وإيران، وجنوب أفريقيا، كشف 90% منهم أن الأمور الصحية، وسبل الوقاية من الأمراض، تحتلان رأس قائمة أولوياتهم اليومية. ولكن رغم ذلك، أقر 60% منهم بأنهم لا يمارسون أي نوع من التمارين الرياضية اليومية، ولا يقومون بمراجعة أطبائهم لإجراء الفحوصات الدورية. وبالنسبة لدولة الإمارات تحديداً، كشف المشاركون في الدراسة، أن غذاءهم اليومي لا زال يحتوي على نسبة عالية من السكريات، ومن الأطعمة المقلية، واللحوم الحمراء. هذا في الوقت الذي يدعي فيه 80% منهم، أنهم أكثر وعياً حالياً بالأمور الصحية مما كانوا عليه سابقاً.
وعودة لأمراض الجهاز التنفسي، وخصوصاً الأزمة الشعبية، والالتهاب الشعبي الحاد، لنجد أن هذه المجموعة من الأمراض تشهد زيادة مطردة في معدلات الانتشار في المنطقة، رغم ازدياد الوعي العام بأسبابها وبطرق الوقاية منها. ففي السعودية مثلاً، تشكل الأزمة الشعبية 50% من مجمل الأمراض التنفسية في المملكة، بينما يشكل الالتهاب الشعبي الحاد 25% منها. ولا يختلف الحال كثيراً في دولة الإمارات، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمدى انتشار الأزمة الشعبية بين الأطفال والطلاب. حيث تشير إحصائيات وزارة الصحة، إلى إصابة ثلاثة من بين كل ثلاثين طالباً من طلاب المدارس. وتظهر إحصائيات الوزارة أيضاً، أن الحالات التي يتم تشخيصها من قبل الأطباء بين طلاب المدارس الابتدائية، لا تمثل إلا 13% من معدلات انتشار المرض. وهي الحقيقة التي يؤكدها عدد المراجعات في مراكز الصحة الأولية بسبب الأزمة الشعبية، والتي تزيد على 76 ألف مراجعة سنوياً، أو 19 مراجعة من بين كل ألف من السكان. ولا يختلف هذا الوضع كثيراً عن الموقف العالمي، حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين بالأزمة الشعبية، يتراوح حالياً ما بين 100 إلى 150 مليون شخص حول العالم، مع التوقع بأن يزداد هذا العدد بنسبة 50% كل عشرة أعوام، وهو ما يعني أن عدد المصابين سيتخطى رقم المائتي مليون شخص في وقت قريب. هذه الزيادة تحدث في جميع دول العالم تقريباً دون استثناء، مثل الولايات المتحدة التي زادت نسبة الحالات فيها من 3.6% في عقد الثمانينيات إلى 9% حالياً، وأوروبا التي تضاعف متوسط عدد الحالات في معظم دولها في غضون العشرة أعوام الأخيرة فقط.
وإذا ما بحثنا في أسباب الإصابة بالأزمة الشعبية بالتحديد، فسنجد أنها ترتبط بشكل وثيق بمجموعة من العوامل الخاصة، يطلق عليها لقب العوامل المثيرة أو المفجرة، وهي العوامل التي تتسبب في بدء الأزمة في شكلها المألوف، وربما حتى تساعد على الإصابة بالمرض من الأساس. أول هذه العوامل، هو المجموعة المعروفة بالمواد المثيرة للحساسية أو (المحسسات)، والتي غالباً ما يتم استنشاقها، كتلك المحسسات الناتجة عن فضلات الحشرات التي تقطن المنازل، أو من خلايا وشعر الحيوانات الأليفة. أما المجموعة الثانية من العوامل المثيرة، فتندرج جميعها تحت (الملوثات) الهوائية، مثل غاز الأوزون، وغاز ثاني أوكسيد النيتروجين، وغاز ثاني أوكسيد الكبريت. هذه الغازات تنتج ضمن كوكتيل عوادم السيارات، ولذا يعتقد البعض أنها السبب خلف ارتفاع معدلات الإصابة بالأزمة الشعبية في المناطق الحضرية، مقارنة بالضواحي والمناطق الريفية. فحسب دراسة أجريت قبل بضعة أعوام في كل من فرنسا والنمسا وسويسرا، قدر الباحثون أن عوادم السيارات تعتبر السبب المباشر في إصابة حوالى 300 ألف طفل سنوياً بالتهاب الشعب الهوائية، وفي تدهور الحالة الصحية لـ15 ألفاً آخرين من المصابين بالأمراض القلبية. وتعتبر السمنة والوزن الزائد، آخر المتهمين خلف زيادة معدلات الإصابة بالأزمة الشعبية. ففي الشهر الماضي، نشرت دراسة في إحدى الدوريات العلمية المتخصصة (American Journal of Respiratory and Critical Care Medicine)، قام فيها العلماء بمراجعة سبع دراسات سابقة شملت 330 ألف شخص، ليكتشفوا أن الأشخاص زائدي الوزن، تزداد لديهم احتمالات الإصابة بالأزمة الشعبية (الربو) بمقدار 50%. فمن خلال تحليل الحالة الصحية لهذا العدد الضخم، وجد الباحثون أنه مقابل كل شخص ذي وزن مناسب مصاب بالأزمة الشعبية، كان هناك 1.5 شخص من أصحاب الأوزان الزائدة مصاب بالأزمة الشعبية. وبالنظر إلى تزايد معدلات السمنة في المنطقة، وخصوصاً بين الأطفال، والمترافق بانتشار تدخين الأبوين داخل المنزل والسيارة، والحياة في جو تخنقه عوادم السيارات، فلا عجب إذن أن يصل انتشار الأمراض التنفسية في المنطقة إلى حد الوباء.